"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 09:00 صباحاً
  • "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"

رمضان كريم (19)

 

بسام ناصر

إذا ما قُدِّر لأحدنا أن يشهد ساعة الاحتضار لقريب عزيز، أو صديق حبيب، فانه حينها يدرك ضآلة الدنيا وحقارتها، ويستشعر عجز الناس جميعاً  أمام قدرة الله المطلقة. فقد يكون المحتضر أباً أو أماً أو عماً أو عمة.. ترى المحتضر يتألم ويتوجع ويتأوه فتريد أن تخفف عنه شيئاً مما يقاسيه ويكابده من تلك الأهوال الشديدة النازلة به، غير أنك تقف مكتوف اليدين، مشلول القدرة، فتلك الحال التي ألمت به لا يقدر أحد من البشر أن يردها أو يدفعها، فهي دليل عجزهم، وشاهد على قدرة ربهم.

يا الله لو أن ذلك المشهد وأمثاله يبقى بآثاره وآلامه وأوجاعه وأحزانه حاضراً في يوميات حياتنا، حتى يكون رادعاً لنفوسنا من أن تطغى، ولكننا سرعان ما ننقلب إلى دنيانا وننسى. ذلك المشهد قد صوره القرآن الكريم تصويراً بليغاً، يقول تعالى:"فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الواقعة:83-87).

ما أشد سكرات الموت وما أثقل شدائده، تروي السيدة عائشة رضي الله عنها ـ كما في صحيح البخاري ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه رَكْوَة أو علبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى. وفي رواية الترمذي: قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يُدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت أو سكرات الموت.

وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها واكرب أباه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن، قالت رضي الله عنها أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟.

فإذا كان هذا ما وقع لأحب الخلق وأكرمهم على الله، فكيف يكون حال الواحد منا في ذلك الموقف الشديد؟ إن ذلك الموقف هو بمثابة كأس سيشرب الخلق جميعاً منه بلا استثناء، وسيتجرع مرارته ويكابد شدائده الناس كلهم جميعاً، وهذا ما أكدّه الحق سبحانه بقوله:"وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ"(ق:19). فاللهم عونك ورحمتك.

بالموت سيغادر الناس الحياة الدنيا، وينقلبون إلى حياة جديدة، وعند الموت يختلف حال المؤمنين الطائعين عن الفاسقين العاصين، فالمؤمنون المحسنون الصادقون الصائمون يُبشرون برضوان الله ومغفرته له فيشتاقون إلى ما أعده الله لهم ويطيرون شوقاً للقائه، فيحب الله لقاءهم. يقول تعالى:"مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"(العنكبوت:5). يقول القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: أجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملاً صالحاً فإنه لا بدّ أن يأتيه.

في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشَّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامه فأحبَّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاء الله وكره الله لقاءه".

يقول أبو سليمان الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك. ويقول الإمام النووي: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعاً هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث يكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه.

المؤمن الطائع حينما يكون في حال الاحتضار وسكرات الموت نازلة به، فانه يرى ويعاين ما أعده الله له من كرامته ومغفرته وجزيل عطائه، حينها فانه يتوق إلى كل ذلك ويحب الخروج من الدنيا ليلاقي ذلك ويتنعم به، أما من يبشر بعذاب الله وسخطه وعقوبته، فانه يكره ذلك ويسخط منه، مع ما سيفارقه من دنياه ويقبل على العذاب والعقوبة وسخط الله عليه.

في القرآن الكريم وصف الله الخاشعين بأنهم" الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"(البقرة: 46)، فيقينهم بأنهم سيلاقون ربهم فيجازيهم بأعمالهم الجزاء الأوفى، هو الذي يحملهم على القيام بالطاعات وأداء الواجبات، وتحمل المصائب والابتلاءات، لقاء الله هو الطمع فيما أعده الله لعباده المؤمنين من كرامته وحسن ضيافته، وجزيل عطائه، أفلا يشتاق المؤمنون إلى لقاء ربهم ليهنئوا بحياة النعيم المقيم والخلود الأبدي الذي لا يفنى أبداً؟ ولندعُ بما كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه الطويل:"واسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك".

كاتب اردني

التعليق