صناعة الكتاب والكتابة في الحجاز: التفاعل مع الحضارات والاقتباس منها

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 09:00 صباحاً

 

عمان- الغد-  تأتي أهمية كتاب "صناعة الكتاب والكتابة في الحجاز : عصر النبوة والخلافة الراشدة" لمؤلفه ماجد بادحدح، الذي يؤصل ويوثق لبدايات صناعة الكتاب والكتابة في الحجاز من عدة زوايا، أبرزها تأكيد الدور الذي اضطلعت به مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحياة العلمية والثقافية في حقبة صدر الإسلام، وكشفها عن تأسيس أول مكتبة عامة في تاريخ الحضارة الإسلامية، وإثبات أن مدينة الحيرة كانت مصدرا من مصادر تعلم الصحابة وعرب الحجاز الكتابة، وإثبات أن نشأة الكتاتيب والدواوين كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والتأكيد على أهمية الانفتاح على حضارات الشعوب والأمم لتحقيق التفاعل الحضاري والتبادل المعرفي.

  والكتاب الصادر في جزأين عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي الذي هو في الأصل دراسة لنيل درجة الماجستير أشرف عليها خبير المعلومات والمكتبات الدكتور عباس طاشكندي تركزت حدوده في المصادر التاريخية والأدبية فيما يرد من نصوص تغطي مراحل بعثة الرسول وعهد الخلفاء الراشدين حتى نهاية النصف الأول من القرن الأول الهجري.

  ويرجع الباحث في مقدمته أهمية الدراسة إلى عدم اهتمام المؤرخين القدماء والمحدثين الاهتمام الكافي بتغطية تلك الفترة الزمنية على أهميتها البالغة. وأبدى الباحث ملاحظته في أن معظم من تناول الدراسات التاريخية في المكتبات الإسلامية لم يكونوا من المسلمين والعرب، لذا حملت بعض دراساتهم كثيرا من المغالطات، مما يؤكد عدم نزاهة تناول هؤلاء الباحثين للفترات الإسلامية ذات التميز الحضاري.

وجاء الكتاب موزعا على بابين، حوى كل باب خمسة فصول، إضافة إلى فصول النتائج والتوصيات وقائمة المصادر والمراجع والملاحق والكشافات. الباب الأول بحث في ظروف النشأة والتأثير، والفصل الأول منه تناول العامل التعليمي حيث استعرض الباحث جوانب من الحياة العلمية في النصف الأول من القرن الأول الهجري، متمثلة في الجانبين النظري والعملي للسياستين النبوية والراشدية. ويبرز دور أهل الصفة من الصحابة وأثرهم الكبير في إثراء هذه الحياة العلمية المتميزة، ثم دور بعض الدور إضافة إلى التعليم الفردي.

  وتطرقت بقية الفصول إلى عوامل أخرى ومنها عامل كتابة القرآن الكريم ذاكرا أنه كان من أقوى العوامل تأثيرا على صناعة الكتابة والكتاب،حيث يعد القرآن أول كتاب مخطوط تتكامل فيه العناصر المادية في تاريخ الحضارة الإسلامية، فكانت مراحل جمعه وتدوينه بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت حركة صناعة الكتابة والكتاب. وكذلك العامل التشريعي والمالي والعامل الحضاري الذي توصل عبره إلى أنه لا يمكن لأي أمة من الأمم أن تعيش بمعزل عن حضارات الأمم الأخرى بل لابد لها أن تتأثر بها سلبا أو إيجابا في كثير من شؤون حياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية، وهذا هو السبب الذي جعل حاضرة مكة وبعض حواضر القبائل العربية مجتمعات حضارية، فلقد كان مجتمع مكة قبل الإسلام أقرب إلى الحضارة منه إلى البداوة، لأنه كان مجتمعا تجاريا يضطر التجار فيه إلى كثرة الأسفار والاختلاط بالأمم الأخرى، فيقتبسون من سفرهم واختلاطهم ثقافة وعلما وحضارة ومدنية.

  ويستشهد المؤلف بإيلاف قريش وأسواق العرب في الجاهلية التي استمرت بعد الهجرة النبوية، وكيف كان يأتي أنباط الشام إلى المدينة لمزاولة التجارة مع أهلها، متوصلا بالاستناد إلى مرويات ووقائع تاريخية إلى أن النشاط التجاري كان له دور في تقوية أواصر التواصل الحضاري بين العرب وغيرهم من الأمم، وما حدث من نقلة حضارية للمسلمين في العصر النبوي والراشدي نتيجة الاتصال بالأمم الأخرى والاستئناس إلى التفاعل معها والاقتباس منها.

التعليق