العلاجات الطبية وحكمها

تم نشره في السبت 30 أيلول / سبتمبر 2006. 09:00 صباحاً

شهر  الرحمة (7)

 

د.عماد الراعوش

من القضايا المستجدة في الصيام حكم تناول الصائم للعلاجات الطبية التي تدخل الجسم عن غير طريق الفم، والتي تدخل عن طريق الفم ولكنها لا تصل الجوف. ومن الأمثلة على ذلك: ما يُتَناول عبر الفم مما لا يصل الجوف، ومن ذلك الحبوب التي يتناولها مرضى القلب تحت اللسان لتمييع الدم، والقطرات التي تتناول عبر العين والأنف والأذن، والأدوية التي تتناول بالاستنشاق مثل بخاخ الأزمات الصدرية والربو، والتحاميل التي تتناول عبر الفتحات البولية، والحقن داخل الأوعية وتحت الجلد وداخل العضل، وغسيل الكلى، وتنظير الأعضاء الداخلية، ونحو ذلك. ومثل هذه العلاجات من الأمور المستجدة التي لم تكن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي ليس فيها نصوص خاصة تدل على حكم تناولها من حيث إفساد الصوم أو عدمه، وسبيل العلماء في مثل هذه القضايا أن يرجعوا إلى النصوص الشرعية التي تبين المفسد للصيام، ثم يستنتجوا علة الإفساد فيها ثم يقيسوا عليه ما يستجد مما يتعاطاه الناس فيحكمون على ما شاركها في العلة بأنه مفسد للصيام، وما لم يشاركها بأنه ليس مفسدا.

 ولا شك أن ذلك سيكون اجتهادا بشريا يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب ويحتمل الاتفاق ويحتمل الاختلاف، والواقع أن العلماء اختلفوا في ذلك اختلافا ظاهرا حقيقيا، وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في تحديد علة إفساد الصوم فيما ثبت في النصوص الشرعية أنه يفسد الصوم، ونحن إذا بحثنا عن النصوص الشرعية التي تناولت ما يفسد الصوم سوف يجتمع لنا من النصوص ما يلي:

أولا: قوله تعالى:" وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ "( البقرة ،187)

ثانيا: قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، وفي رواية :يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".

ثالثا: قوله صلى الله عليه وسلم :" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"

رابعا: قوله صلى الله عليه وسلم :" وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" .

خامسا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه وفيه:" الصوم مما دخل وليس مما خرج"

وأمام هذه النصوص اختلفت كلمة العلماء في اعتبار علة إفساد الصوم , ومن ثم تحديد ما يفسد الصوم وما لا يفسده ونحن إذا راجعنا أقوال العلماء في ذلك فسنجد أنهم اختلفوا في تحديد علة إفساد الصوم إلى قولين رئيسين هما:

القول الأول: ذهب أصحاب هذا القول إلى أن علة إفساد الصوم دخول الجوف، وهذه العلة ظاهرة في الطعام الشراب، واستشهد هؤلاء على ذلك بمنطوق النص المروي عن ابن عباس وفيه " الصوم مما دخل". لكن هؤلاء اختلفوا بعد ذلك في اعتبارات أخرى هي حدُّ الجوف فقال فريق الجوف هو البطن - ويقصد بذلك المعدة والأجهزة التي تشارك في عملية تحليل الطعام وامتصاصه.

 وقال فريق آخر الجوف هو باطن الجسم كله. كذلك اختلف هؤلاء في منفذ الدخول فقال فريق كل داخل للجسم مفطر، واستدل هؤلاء بقوله صلى الله عليه وسلم " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ووجه الدلالة أن الأنف ليس مدخلا معتادا للجوف ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحرز الصائم من الاستنشاق، ولا يكون ذلك إلا إذا كان هذا الفعل مفطرا، وقال آخر المفطر ما دخل الجسم من منفذ معتاد وهو الفم. وليس لأحد من هؤلاء دليل صريح على ذلك بل غاية الأمر الاجتهاد في تحرير صفة الطعام والشراب التي لأجلها يَفسُد الصوم أهي الدخول إلى الجسم عموما، أم الدخول إلى الجوف خصوصا، أم الدخول إلى الجوف من مدخل معتاد؟

القول الثاني: ذهب أصحاب هذا القول إلى أن علة إفساد الصوم التغذية والإرواء التي تتحقق في الطعام والشراب وهذا رأي ابن تيمية حيث قال في الفتاوى:" نهي الصائم عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوِّي." (أي التغذية) مع التنبيه إلى أن التغذية لفظ عام يشمل كل ما اتخذ لتغذية وإشباع حاجات أوشهوة الجسم الحيوية، سواء الأصلية كالطعام والشراب، والطارئة كالتدخين والمخدرات، ودليل ذلك منطوق النصوص السالفة الذكر، وكون الصفة البارزة في الطعام والشراب هي التغذية والإرواء لا مجرد الدخول. وكون المقصود من الصيام الجوع والعطش وما يتحصل للمرء منهما من فوائد، وذلك لا يتحقق إلا في الطعام والشراب وما في حكمهما، أما أن يكون المقصود من الصيام عدم دخول الجسم عموما أو الجوف خصوصا أي شيء، يغذي أو لا يغذي حتى لو كان خيطا أو حبيبات رمل أو منظارا طبيا فلا يظهر لذلك حكمة .

ومما يُشكِل على أصحاب هذا القول ما روي عن أبن عباس وفيه " الصوم مما دخل"، لكن ذلك يجاب بأن هذا الأثر موقوف على ابن عباس بمعنى أن ابن عباس لم ينسب هذا القول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يحتمل أن يكون القول له وليس للرسول صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا النص على هذا النحو لا يحتج به عند جمهور الفقهاء.

لكن أصحاب هذا القول اختلفوا بعد ذلك في اعتبار آخر هو دخول المغذي من المنفذ المعتاد وهو الفم  أهو مشروط أم غير مشروط ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" دليل عدم الاشتراط، ووجه الدلالة أن الأنف ليس مدخلا معتادا للماء، ولو لم يكن دخول الماء منه مفطرا لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحرز الصائم من المبالغة في الاستنشاق .

وعلى هذا القول تكون العلاجات الطبية التي تدخل الجسم عن طريق الفم أو الدم أو الجلد أو غير هذه المداخل وتحقق التغذية أو الإرواء مفسدتا للصوم . أما التي تدخله عن طريق هذه المداخل ولا تحقق التغذية أو الإرواء فلا تفسد الصوم .

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن

فتاوى رمضانية

ترك صيام رمضان تهاونا

- ما حكم المسلم الذي أهمل أداء فريضة الصوم بدون عذر شرعي لعدة سنوات؟ مع التزامه بأداء الفرائض الأخرى، هل يكون عليه قضاء أو كفارة؟ وكيف يقضي كل هذه الشهور إن كان عليه قضاء؟

حكم من ترك صوم رمضان وهو مكلف من الرجال والنساء أنه قد عصى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة إلى الله من ذلك، وعليه القضاء لكل ما ترك، مع إطعام مسكين عن كل يوم إن كان قادراً على الإطعام، وإن كان فقيراً لا يستطيع الإطعام كفاه القضاء والتوبة؛ لأن صوم رمضان فرض عظيم، قد كتبه الله على المسلمين المكلفين، وأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه أحد أركان الإسلام الخمسة.

والواجب تعزيره على ذلك، وتأديبه بما يردعه إذا رفع أمره إلى ولي الأمر أو إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا إذا كان لا يجحد وجوب صيام رمضان، أما إن جحد وجوب صوم رمضان، فإنه يكون بذلك: كافراً مكذباً لله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، يستتاب من جهة ولي الأمر بواسطة المحاكم الشرعية، فإن تاب وإلا وجب قتله لأجل الردة، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه" خرجه البخاري في"صحيحه".

أما إن ترك الصوم من أجل المرض أو السفر فلا حرج عليه في ذلك.

والواجب عليه القضاء إذا صح من مرضه أو قدم من سفره؛ لقول الله عز وجل: "ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" [البقرة: 185]، والله ولي التوفيق.

المجيب عبد العزيز بن باز - رحمه الله -

 عن موقع الإسلام اليوم

التعليق