كونفوشيوس: من تعرف على الحقيقة في الصباح يمكنه أن يموت من دون أن يشعر بالأسى

تم نشره في الأحد 27 آب / أغسطس 2006. 09:00 صباحاً
  • كونفوشيوس: من تعرف على الحقيقة في الصباح يمكنه أن يموت من دون أن يشعر بالأسى

 

 محمد جميل خضر

  عمان- على خلاف النظرة السائدة له في بلده و بلاد كثيرة أخرى، كان كونفوشيوس، حكيم الصين العظيم، الذي ولد في العام 551 قبل الميلاد، وتوفي في 21 آذار 479 قبل الميلاد، يرفض تسميته أو اعتباره صاحب رسالة إلهية، أو نبيا يوحى له، بل فضّل دائما أن ينظر له على أنّه مرب ومعلم للأخلاق الفاضلة.

نشأ صاحب كتاب "حديقة الأيائل" يتيما، توفي والده وهو طفل صغير، فتربى في كنف أمه، واشتغل في رعي الغنم، وتسامى على الفقر والعوز قائلا: "الفقر لا يستلزم التعاسة، والغنى بلا فضيلة ظل زائل"، وفي شبابه اشتغل في الوظائف الامبراطورية، وفي التدريس.

 في الثانية والعشرين من عمره، أنشأ مؤسس الكونفوشية الصينية (نسبة له)، مدرسة فكرية لتعليم السياسة، الأخلاق، والفلسفة، وفي تسعينيات القرن الماضي، وضعه عالم أميركي في سياق ترتيبه لأهم مائة شخصية أثرت في التاريخ الإنساني في المركز الخامس بعد المسيح عليه السلام وساكياموني وشخصين آخريْن، وهو بالتأكيد تصنيف غير ملزم للصينيين الذين يضعونه في المرتبة الأولى، لما تركته فلسفته وطروحاته القيمية والأخلاقية من أثر ممتد ومنتشر على مجمل الحضارة الصينية، وبالتالي العالمية.

  وعن كونفوشيوس يقول الكاتب والشاعر والباحث المتخصص بالفلسفة زهير توفيق: "عرف كونفوشيوس بسمو الأخلاق والمعرفة الواسعة، وعرفه الناس بفضائله الأربع، فلم يكن عنيدا، ولا أنانيا، ولا متعصبا، ولا مستبدا".

ويذكر توفيق صاحب كتاب "أديب إسحق مثقف نهضوي مختلف" ان أباطرة الصين أسسوا له بعد وفاتـه الهياكل والمعابد في العام 555م، وتقدس اسمه وذكراه، وأصبح مزارا يشد اليه الرحال من كل أرجاء الامبراطورية الصينية.

  ويرى توفيق أن فلسفة كونفوشيوس تركزت على الأخلاق، واعتبرت الكنفوشية منظومة فلسفية أخلاقية واجتماعية، وصمدت شعاراتها وأقوالها المأثورة الآف السنين، ومنها الشعار الدارج على كل لسان في العالم "عامل الناس كما تحب أن تعامل"، ويورد توفيق صاحب ديوان "ليلى في بحار السندباد" أقوالا مأثورة أخرى للمعلم الذي جمع العديد من مريديه بعض أفكاره وآرائه في كتاب "تعاليم كونفوشيوس": "إذا كلفت إنسانا بعمل فثق به، واذا كنت لا تثق به فلا تكلفه" أو مثل "لا تحزن بجهل الناس بك، ولكن احزن لجهلك بهم".

وتتوزع، حسب توفيق، آراء كونفوشيوس على الكتب التي تعود اليه مباشرة، وهي كتب الأصول الخمسة التي ورثها عن فلاسفة الصين القدماء، وأعاد النظر بها، فهذبها وأصلحها، وأصبحت تابعة له.ومنها الكتب الأربعة التي تعود لتلاميذه الذين جمعوا أفكاره وأقواله في كتب خاصة.

  لم يستثن حكيم الصين ناحية من نواحي الحياة الصينية الا واتخذ منها موقفا إصلاحيا، ووحد الفكر بالعمل عندما أصبح وزيرا أول في مقاطعة لو الصينية، فقضى على الأشرار، وأعاد هيبة السلطة المركزية، ونشر العدل والأمانة حتى اختلط الواقع بالأسطـورة عن مدى العدل والأمان، حتى لم يعد أحد يفكر ان يلتقط شيئا لا يخصه من الأرض مهما كان ثمينـا، ونفذ حكم الاعدام بالفاسدين، ومنهم رجال سياسة ووزراء، وقضى على اللصوص وقطاع الطرق، حتى أتاح المجال للنسـاء للسير بحريـة في الطرق العامة.

  ويشير توفيق إلى أن كونفوشيوس ركز على التربية من خلال التعليم، واعتبر التعليم الذي لا يكمله التفكير جهدا ضائعا، والتفكير الذي لا يكمله التعليم خسارة كبرى، كل ذلك من أجل الوصول الى الحقيقة التي قال عنها "من تعرف على الحقيقة في الصباح يمكنه ان يموت في المساء دون أن يشعر بأسى".

وفي المجال السياسي فقد اعتبر ان السياسة الحكيمة تقوم على الأخلاق، والغاية السامية في السياسة هي اصلاح الأخلاق، فهو الذي يقول ان الحاكم الظالم أخطر على الناس من النمر (المفترس)، وبرأي حكيم الصين لا يوجد تسامح في قانون الأخلاق، ولا تهـاون في مصلحة الشعب.

  وعمل أباطرة الصين، حسب توفيق، بتعاليم كونفوشيوس وحكمه، فكانوا قدوة حسنة لشعوبهم، ومسؤولين عن رفاهيتهم، وكان الامبراطور يفرض على نفسه الصيام حين تصاب الصين بالمجاعة، وكان دائم الحركة، يتحسس الآم شعبه، وعن علاقة الحاكم بالمحكوم يقول حكيم الصين: "إذا كان سلوك الملك مستقيما أطاعـه الجميع من غير ان يـأمرهم، واذا كان غير مستقيم، لن يطيعه أحد ولو أمر بذلك".

وعن التهافت على المناصب الرسميـة يقول: "لا يكن همك ان تتولى المنصب، بل ليكن همك ما يؤهلك لهذا المنصب".

  وعلى صعيد المعتقدات الدينية، لم يؤمن حكيم الصين الا بإله واحد هو السماء، وتحرر من الطقوس والشعائر الجامدة التي درجت عليها المعتقدات الدينية في الصين القديمة.

وركز كونفوشيوس على صعيد الأخلاق الاجتماعية؛ على ثلاثة أمور هي: احترام الآباء والعناية المطلقة بالأسرة والدعوة الى الفضيلة والخلق القويم والقدوة الحسنة.

كما ركز على اللياقة والسلوك المهذب مثل الولاء، والخجل، والتواضع، والحكمة، وحب الآخرين.

ومن أقواله في ذلك، "إذا فقد الإنسان الاستقامة، افتقد السعادة".

والرجل الفاضل عند حكيم الصين هو الرجل الذي يمسك بالوصايا التسع، ومنها ان يكون بشوشا، مخلصا، رابط الجأش، مستقيما، وقورا، يحترم الآخرين، محبا للحكمة وباحثا عن الحقيقة.

التعليق