معظم الشعوب تملك جسما من التراث حول ماضيها

تم نشره في الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2006. 09:00 صباحاً
  • معظم الشعوب تملك جسما من التراث حول ماضيها

في تصورات ليفي شتراوس عن بنية الأسطورة:

إدموند ليتش

  كان افتتان ليفي شتراوس Lévi-Strauss بالأسطورة قريب الشبه بافتتان فرويد Freud بتفسير الأحلام، لكنه عانى من نفس نقاط الضعف أيضاً. ذلك أن المواجهة الأولى مع فرويد عادة ما تكون شديدة الإقناع، حيث يبدو كل شيء مرتباً بعناية ليبدو وكأنه ينبغي أن يكون صحيحاً بكل بساطة. لكنك بعدئذ تشرع بالتساؤل. وبافتراض أن كل الأطروحة الفرويدية عن العلاقات الرمزية وطبقة الوعي، غير الواعي وما دون الواعي، كانت كلها خاطئة، فهل سيكون من الممكن في أيما وقت إثبات أنها خاطئة؟ كلام متحذلق.

لا شك في أن أطروحات ليفي شتراوس عن بنية الأسطورة هي كلام فطن بكل تأكيد، حتى ولو أنها لم تعدُ في الحقيقة أن تكون ذلك الشيء الذي ما يزال يتبقى علينا اكتشافه في نهاية المطاف.

إن الأسطورة myth تظل مفهوماً عليل التعريف، ذلك أن بعض الناس يستخدمون الكلمة كما لو أنها تعني التاريخ المنطوي على المغالطات، على أنها قصة عن الماضي والتي نعرف يقيناً بأنها زائفة. وكيما نقول عن حادثة ما بأنها أسطورية mythical، فإن ذلك يساوي قولنا بأنها لم تحدث. أما الاستخدام اللاهوتي فهو مختلف، ذلك أن الأسطورة تكون هناك مصوغة من خليط من الغموض والدين. إنها "التعبير عن الحقائق غير القابلة للمشاهدة بواسطة الظواهر القابلة للمشاهدة"، حسب تعريف (Schniewind -1953- 47). ويقترب هذا الفهم من وجهة نظر العالم الأنثروبولوجي القائمة على أن الأسطورة هي قصة "تتمتع بالقداسة".

إننا إذا ما قبلنا بهذا النوع الأخير من التعريف، فإن السمة الخاصة للأسطورة لا تكمن في كونها ليست زائفة فحسب، وإنما هي حقيقية على نحو يتسم بالقداسة في نظر أولئك الذين يؤمنون، ولكنها حكاية ملفقة بالنسبة للذين لا يؤمنون.

إن التمييز القائم على أن التاريخ صحيح والأسطورة زائفة إنما هو تمميز اعتباطي تماماً، ذلك أن معظم المجتمعات البشرية تقريباً تمتلك جسماً من التراث حول ماضيها. وهو يبدأ، كما يبدأ الإنجيل، بقصة عن الخلق، وهذا الجانب "أسطوري" بالضرورة وبكل ما في الكلمة من معنى. لكن قصص الخلق عادة ما تأتي في إثرها خرافات legends عن مآثر ومناقب أبطال الثقافة المعنية (مثل الملك داود والملك سليمان)، والتي ربما يكون لها بعض الأساس في "التاريخ الصحيح". وهذه بدورها تفضي إلى قص مجموعة من الأحداث التي يقبلها كل شخص على أنها "تاريخية تماماً" لأن تسجيل حدوثها كان قد تم بشكل مستقل في مصدر ما مختلف. ويوحي "العهد المسيحي الجديد" بأنه تاريخ من إحدى زوايا النظر وبأنه أسطورة من زاوية أخرى. ولا شك في أن شخصاً يسعى إلى رسم خط دقيق ما بين الجانبين سيكون مفرطاً في الطوباوية.

  لقد تجنب ليفي شتراوس الخوض في هذه المسألة من العلاقة بين الأسطورة والتاريخ عن طريق تركيز انتباهه على "مجتمعات بلا تاريخ"، أي على شعوب مثل شعوب أستراليا البدائية أو الشعوب القبلية في البرازيل، ممن ترى إلى تاريخها الخاص على أنه غير متغير changeless، والتي تفهم الحاضر على أنه امتداد مباشر للزمن الماضي. وحسب استخدام ليفي شتراوس، فإنه ليس للأسطورة موقع location في سياق الزمن، لكن لها بالتأكيد خصائص مؤكدة تتشارك فيها مع الأحلام والقصص الخرافية. وبالتحديد، فإن التمييز بين "الطبيعة" Narture و"الثقافة" Culture، والذي يحكم التجربة الإنسانية العامة يختفي هنا إلى حد كبير. ففي الأسطورة الشتراوسية يتحدث البشر إلى الحيوانات ويتخذون لأنفسهم أزواجاً منها. وهم يعيشون في البحر أو في السماء، ويجترحون مآثر سحرية على أنها أشياء طبيعية ومألوفة.

هنا، كما في كل مكان آخر، يبدو أن هم ليفي شتراوس الأخير إنما ينصب على "الطبيعة غير الواعية للظواهر الجمعية. وقد ظل، مثل فرويد، يسعى إلى اكتشاف مبادئ تكوين الفكر الصالحة كونياً لكل العقول البشرية. وهذه المبادئ الكونية، إذا ما وجدت أصلاً، تكون فاعلة في أذهاننا بنفس الكيفية والكم كما في أذهان هنود أميركا الجنوبية. ولكن في حالتنا، يبدو التدريب الثقافي الذي تلقيناه من خلال العيش في مجتمع عالي التقنية ومن خلال الالتحاق بالمدارس أو الجامعات وقد وضع طبقة أخرى فوق طبقة المنطق الكوني الذي يحكم التفكير البدائي بكل أنواع المنطق الخاصة التي تتطلبها الظروف الاصطناعية التي تفرزها بيئتنا الاجتماعية. وإذا ما أردنا الوصول إلى المنطق الكوني البدائي في شكله البكر غير المدنس، فإننا نحتاج إلى تفحص العمليات العقلية لدى شعوب جد بدائية وغير معقدة تقنياً (مثل هنود أميركا الجنوبية). وتشكل دراسة الأسطورة إحدى الوسائل لتحقيق هذه الغاية.

  إننا حتى لو قبلنا بالفرضية العامة القائلة بوجوب وجود نوع من المنطق الكوني المتأصل بنيوياً، ومن نوع غير معقلن تتقاسمه كل الإنسانية، والذي قيض له أن يتجلى في الميثولوجيا البدائية، فإننا نظل نواجه مع ذلك العديد من الصعوبات على المستوى الميثودولوجي (المنهجي). ذلك أن الأسطورة بالمعنى الشتراوسي تبدأ على شكل تراث شفهي مرتبط بالطقوس الدينية. ويجري بث القصص نفسها في العادة بلغات غرائبية وبأطوال هائلة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه القصص متاحة، سواء لليفي شتراوس، أو لأي محلل آخر، فنجدها وقد تمت كتابتها ورسمها بشكل مختزل في واحدة أو أخرى من اللغات الأوروبية المألوفة. وخلال هذه العملية، نجد هذه القصص وقد انفصلت تماماً عن سياقها الديني الأصلي. وهذا التوصيف صحيح فيما يخص القصص التي يناقشها ليفي شتراوس في كتابه "الميثولوجيا" Mythologiques بقدر ما هو صحيح فيما يخص أساطير اليونان وروما واسنكندنافيا القديمة التي تبدو مألوفة أكثر بالنسبة إلينا. وحتى لو كان الأمر كذلك، فإن ليفي شتراوس يؤكد على أنها ستكون قد استعادت الخصائص البنيوية الأساسية التي كانت تتسم بها في المقام الأول، وبحيث يظل بالإمكان، إذا ما محصناها بالطريقة الصحيحة، أن نعقد مقارنة بين تلك القصص المخصيّة لتعرض الخصائص البارزة لمنطق كوني بدائي غير معقلن.

  إن تقويمنا لمثل هذه العقيدة بعيدة الاحتمال يمكن له أن يجري وحسب بالمعنى العملاني operational. وإذا ما أمكن لنا، بتطبيق أساليب شتراوس لتحليل جسم حقيقي من المواد الأنثروبولوجية، أن نصل إلى استبصارات لم تكن تتوفر لنا من قبل، وبحيث تلقي تلك الاستبصارات إضاءة على حقائق إثنوغرافية لم نكن قد خبرناها في الدرجة الأولى، فإننا ربما نشعر بأن الجهد كان يستحق العناء. ودعوني أقول مباشرة إن هناك، في كثير من الحالات، فائدة تجنى من هذا القبيل.

يمكن تحديد المعضلة، كما يراها ليفي شتراوس على النحو التالي تقريباً: إننا إذا ما تفحصنا أي جسم من الحكايات الأسطورية من حيث قيمتها السطحية، فإننا نحصل على انطباع  عن وجود تنوع هائل من الحوادث الجزئية، والمرتبطة معاً بواسطة حجم هائل من التكرار والعزف المتكرر على ثيمات شديدة البدائية، مثل علاقات السفاح بين الأخ والأخت أو الأم والابن، قتل الولد لأبية أو قتل الأب لابنه، أكل لحوم البشر... ويفترض ليفي شتراوس بأن واء المنطق الظاهري لهذه القصص، لا بد وأن يوجد منطق ما غير معقول، رسالة مغلفة بقشرة مشفرة. وبكلمات أخرى، فإنه يفترض مع فرويد بأن الأسطورة هي نوع من الحلم الجمعي وأنها ينبغي أن تكون منطوية على إمكانية التأويل بحيث تستطيع الكشف عن المعنى المختفي. إن أفكار ليفي شتراوس عن طبيعة الشيفرة ونوع التأويل الذي يمكن أن يكون ممكناً لها عدة مصادر.

أول هذه المصادر يأتي من فرويد، ذلك أن الأساطير تعبر عن رغبات غير واعية، والتي تكون غير متوافقة بشكل ما مع التجربة الواعية. وفيما بين الشعوب البدائية، فإن استمرارية النظم السياسية تعتمد على إدامة التحالفات بين المجموعات الصغيرة من الأقارب. ويتم خلق هذه التحالفات وتدعيمها بتقديم هدايا من النساء، فالآباء يمنحون بناتهم، والإخوة يمنحون أخواتهم. ولكن الرجال إذا ما توجب عليهم منح نسائهم من أجل غايات سياسية-اجتماعية، فإنهم ينبغي أن يكفوا عن الاحتفاظ بهؤلاء النساء لأنفسهم لغايات جنسية. وبهذا يكون السفاح وزواج الأباعد وجهان متقابلان لعملة واحدة، ويكون محرم السفاح (وهو قاعدة تخص السلوك الجنسي) هو حجر الزاوية للمجتمع (وهو بنية من العلاقات الاجتماعية والسياسية). ويتضمن هذا المبدأ الأخلاقي أنه، في وضع تخيلي، فإن "الرجل الأول" كان لا بد وأن تكون له زوجة ليست أخته. لكن هذه الحالة تنطوي على فكرة أن أي قصة عن "رجل أول" أو عن "امرأة أولى" ينبغي أن تنطوي على تناقض منطقي. لأنهما إذا ما كانا رجلاً وأخته، فإننا نكون جميعاً والحالة هذه نتاج سفاح من حيث منذ البدء. ولكنهما إذا ما كانا مخلوقين مختلفين، فإن واحداً منها يمكن له فقط أن يكون الكائن البشري الأول، بينما ينبغي أن يكون الآخر، على نحو ما، شيئاً غير إنساني. وهكذا، فإن حواء الإنجيلية هي من نفس طينة آدم وعلاقاتهما من نوع سفاح القربى، ولكن "ليليت" Lilith غير الإنجيلية كانت شيطانة.

  ثمة "تناقض" آخر من نوع قابل للمقارنة في القول بأن مبدأ الحياة نفسه موقوف على الموت، ذلك أن الشيء الحي هو ما ليس بميت، والشيء الميت هو غير الحي. ولكن الدين يسعى إلى فصل هذين المبدأين اللذين يبدوان متوافقين في حد ذاتهما كل على الآخر، وبحيث نجد طائفة من الأساطير التي تحاول إيجاد التعليل لأصل الموت، أو التي تعرض الموت باعتباره "معبراً إلى الحياة الأبدية". ويقول ليفي شتراوس إننا عندما نكون بصدد تمحيص العناصر الكونية للأسطورة البدائية، فإننا سنكتشف على نحو متكرر أن الرسالة المختفية تظل مهتمة بحل التناقضات غير السارة من هذا النوع. وتعمل التكرارات والمداورات في الأسطورة على تضبيب هذه المسألة بشدة، وبحيث تصبح التناقضات المنطقية غير القابلة للحل مشهداً ضائعاً في الكل، حتى عندما يكون التعبير عنها ظاهراً. وفي "قصة أزديوال" (1960) The Story of Asdiwal، والتي تعتبر بالنسبة للكثيرين أكثر مقالات ليفي ستراوس إقناعاً في موضوع تحليل الأسطورة، فإن استنتاجه كان على النحو التالي:

"إن كل المفارقات التي يتصورها العقل المحلي البدائي، وعلى أكثر المستويات اختلافاً، الجغرافي والاقتصادي والسوسيولوجي، وحتى الكوزمولوجي، تظل، عندما يكون كل شيء قد تم قوله وفعله، مندغمة بتلك المفارقة الأقل وضوحاً، والحقيقية جداً مع ذلك، والتي تفشل محاولات الزواج من جانب أقارب الأم في حلها. لكن هذا الفشل معترف به في أساطيرنا، وهناك بالضبط تكمن مهمتها".

لكن هذا "الاعتراف" هو من نوع معقد، حتى أن ليفي شتراوس نفسه يحتاج إلى صحفتين من النقاش الوثيق لإقناع القارئ (والذي يكون مسبقاً في وضع امتلاك كل الأدلة ذات الصلة) بأن هذا هو ما تقوله الأساطير في الحقيقة.

  أما المصدر الرئيسي الثاني في تفكير ليفيى شتراوس حول هذا الموضوع، فإنه يأتي من أطروحات مأخوذة من حقل نظرية المعلومات العامة. ذلك أن الأسطورة ليست قصة خرافية، وإنما هي تنطوي على رسالة. ولا يمكن إنكار حقيقة عدم وضوح ماهية مرسل الرسالة، ولكن من الواضح هوية الشخص الذي يستلمها. فالمبتدئين في المجتمع، والذين يسمعون الأساطير للمرة الأولى إنما يتم غرس عقيدة بذاتها في أذهانهم على يد حملة التراث. وهو تراث كان قد تم توريثه، على الصعيد النظري من أي مستوى، من قبل الأسلاف الذين ماتوا منذ أمد بعيد. دعونا إذن نفكر بالأسلاف (أ) بوصفهم "مُرسِلين" وبالجيل الحالي (ب) بوصفهم "مستقبِلين".

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عالم انثربولوجي انجليزي

التعليق