حسين: لي في " العراق" عم واحد ولي في الأردن " عمان "

تم نشره في الاثنين 31 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • حسين: لي في " العراق" عم واحد ولي في الأردن " عمان "

روائية عراقية تسير مع شخوص رواياتها في دروب لا تنتهي

حاورتها: عزيزة علي

  عمان - تقول الروائية العراقية هدية حسين إنها حينما تشرع في كتابة نصها الإبداعي لا تضع أمامها مخططا مسبقاً لشخصياتها وإنما تدع الشخوص يعلنون عن انفسهم شيئا فشيئا. وتأكد حسين على عمق تعلقها بالمكان كثيمة ابداعية خصوصا المكان الذي شهد ولادتها واحتضن طفولتها وانطبعت عليها آثاره. وترى حسين ان ما خلفته الحروب العراقية في حيز المكان لا يمكن تجاهله ونسيانه .

  " الغد" التقت الروائية حسين وكان هذا الحوار الذي تطرقت فيه الى تجربتها الروائية بعد ان انجزت أربع روايات هي: "بنت الخان" و" ما بعد الحب" في " الطريقة إليهم" و "زجاج الوقت" بالإضافة إلى أربع مجموعات قصصية هي: "اعتذر نيابة عنك" و" قاب قوسين مني"و "كل شيء على ما يرام" و" تلك قضية أخرى".

*ما هي علاقتك بنصك الإبداعي.. وكيف تنسجين خيوطه، وكيف تنظرين إليه بعد الانتهاء منه؟

- تتضارب الأفكار في رأسي.. تأتي كما سيل جارف وتتشابك حتى ليغدو من الصعب أن ألمّ بفكرة واضحة أول الأمر (أتحدث هنا عن النص الروائي) لكن الصخب يهدأ بعد فترة قد تطول وقد تقصر.. وعندها تنجلي الفكرة الأساسية والتي تحمل أيضا خيوطا تحتاج إلى فرز. لكنني قبل أن أتبين هذا الخيط من ذاك أفرغ ما برأسي على الورق حتى وإن كان غير متجانس، ومن خلال الاستمرار بالكتابة أجدني أمسك بالخيوط وأسير مع أبطالي في درب لا أدري أين سينتهي.. بمعنى أنني لا أضع تخطيطا مسبقاً لشخصياتي وإنما أدعها تعلن عن نفسها شيئا فشيئا.. وحين انتهى من النص أعيد كتابته ، أضيف وأحذف حتى أصل إلى مرحلة القناعة قبل أن أقدمه للنشر.. وعندما يصدر ، أقرأ النسخة الأولى التي تصلني بحس القارئ الذي لا يعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية.. أما الحكم عليه فأتركه للقارئ.

*في رواياتك السابقة كان الوطن يحضر بكل ما فيه من أحداث ومتغيرات، ولكن في روايتك الأخيرة "زجاج الوقت" تضاءل حجم الوطن.. لماذا؟

- في الروايات السابقة تناولت الحروب ومفرداتها اليومية التي عشتها وعاشها العراقيون، وكذلك سنوات الحصار والملاحقات والهروب من الوطن.. وفي "زجاج الوقت" كتبت عن الروح التي تهشمت بفعل تلك الحروب وما تلاها دون التطرق مباشرة إلى الحروب.. شخصياتي في "زجاج الوقت" مأزومة ومهشمة تماما مثل نثار الزجاج، وليس من نور تهتدي إليه للخروج من النفق المعتم الذي عاشته... وهذا أقسى بكثير من أزيز الطائرات ورعب القنابل.. إن ما خلفته الحروب في الروح العراقية لا يمكن نسيانه أو تجاهله. نحن- سواء كنا في الداخل أو في الخارج- نعيش وسنبقى نعيش كوابيس تلك الأيام. لذلك أقول إن الوطن لم يتضاءل أبداً في "زجاج الوقت" بل توارثت الشخصيات أحزانه جيلا بعد جيل وقالت كلمتها فيما حدث ولكن بلغة أقل صخبا وأكثر وجعاً.

*تنفرد شخصية "يونس" بأنها ملتبسة وغامضة، فمرة نفهمها متوهمة، ومرة نحسها من لحم ودم.. ماذا عنها!! ولماذا طردتها السلطة لتعيش المنافي؟

- يونس شخصية ورقية اختلقتها لبطولة "زجاج الوقت" وهي التي كانت تعيش على هامش الحياة وخارج زمن الحب وبذاكرة آيلة للتلاشي لتبتكر سعادة لم تحصل عليها في الواقع.. وحين كتبت روايتها "مكعبات الثلج" وقعت في حب بطلها "يونس" حتى وصل بها الأمر إلى الخلط بين الواقع والخيال. ومن خلال تلك الشخصية التي طردتها سلطة العشيرة أردت أن  ان اتناول العلاقة بين أبناء الوطن الواحد من عرب وكرد وأضيء بعض الجوانب التي لا يعرفها القارئ العربي عن تلك العلاقة والأمكنة. ويونس لم يخرج إلى المنافي البعيدة وإنما سافر من وسط العراق إلى شماله.

*يقال إن من حق المبدع أن يسرق من كل ما يحيط به حتى يخرج عملا إبداعيا.. كم سرقت هدية من هدية حتى يخرج نص "زجاج الوقت"؟

- أنا لا أعرف من قال أو أجاز قول: إن من حق المبدع ان يسرق.. كما لا أحبذ استخدام الفعل يسرق حتى وإن كان بالمعنى المجازي.. أسمحي لي أن استبدله بـ"يأخذ" أو يستفيد.. وأقول: إن كل مبدع هو نتاج من سبقه من المبدعين تعلم منهم واقتدى بهم، وهو خلاصة تجاربهم وتجارب الناس الذين عاش بينهم.. وتكونت تجربته من خلالهم ومن خلال الظروف المحيطة.. ومن ثم نضجت تلك التجربة وصار له صوته الخاص الذي يميزه عن الآخرين.. اما فيما يخص الشطر الثاني من السؤال فيمكنني القول إن أي عمل إبداعي لابد أن يصب فيه الكاتب شيئا من نفسه.. في روايات السابقة ستجدين هدية في هذا السطر أو ذاك.. وقد تكون روايتي الأولى "بنت الخان" أكثر وضوحا بهذا الشأن.. أخذت طفولتي ووضعتها على الورق واستفدت من حياة أمي فنهلت منها الكثير.. أما في "زجاج الوقت" فلم آخذ من هدية شيئا على صعيد أحداث الرواية ولكنني أخذت منها الأحزان التي ورثتها عن كل ما مر بها أو بالوطن من كوارث حتى غدت روحها تشبه أرواح أبطالها –أو بالعكس- مهشمة مثل زجاج مكسور لا يمكن اصلاحه.

*في أغلب كتاباتك تستخدمين ضمير المتكلم.. لماذا؟

-لأنه الأكثر طواعية في سرد الأحداث والتعبير عن أدق الانفعالات.. عندما أتحدث – في سياق الرواية- عن الآخر ومهما بلغت من قدرة على سبر أغواره فستبقى هناك دهاليز لا يمكن الوصول إليها.. أما حين تتحدث الشخصية عن نفسها فلا أحد يمكنه التشكيك بما تقول لأنها الأكثر دراية بأعماقها غير المكشوفة للآخرين. بمعنى آخر أن ضمير المتكلم أكثر اقناعا في توصيل ما أريد قوله للقارئ.. ولكنك تجدين أيضا بانني استخدمت ضمائر أخرى داخل النص الواحد كسرا لرتابة السرد ولأن رواياتي متعددة الأصوات، ولكن يبقى ضمير المتكلم هو المهيمن على النص للأسباب التي ذكرتها.

*في كتاباتك السابقة أيضا كنت تغوصين في أعماق الإنساني العراقي أثناء وبعد الحرب.. الآن. كيف يمكن أن تقومي بذلك وأنت خارج العراق؟

- لست بعيدة عما يحدث داخل العراق.. أنا مدمنة أخبار ومتابعات يومية، وأرى المشهد عن بعد كما لو أنني في الداخل. ثم ان عمان ليست بعيدة عن أية مدينة عراقية. اينما تمشين في شوارعها وأسواقها ترين القادمين من هناك بسحناتهم المتعبة وجروح أرواحهم القديمة منها والجديدة "أستثني طبقة الكريما التي لا أعرف شكل ملامحها" وأنا على اتصال دائم بأقربائي وأصدقائي هناك.. البعد الحقيقي هو بعد الروح وليس بعد الجسد.. بالنسبة لي خرجت من العراق منذ العام 1999 وهناك من خرجوا منذ عشرين عاما وأكثر وما يزالون موشومين بلهجته وعاداته وحسراته، ويكتبون عن حروبه وكوارثه، لأن رؤية الحقيقة لا يخفيها غربال المسافة بالكيلومترات.. أنا الآن -ومنذ أن خرجت- أقيم في عمان وأرى المشهد العراقي من جميع جوانبه ولذلك فإن كتاباتي – الروائية تحديدا- لم تغادر أرض العراق.. ووجودي في عمان أعني تجربتي جعل ارتباطي بوطني أكثر انشدادا، ولولا ذلك لما كتبت أربع روايات ومجموعتين قصصيتين هنا.. إنني أدين بالفضل والعرفان لهذه المدينة الرائعة –عمان- التي لملمت جراحي ومنحتني الأمان. وأنا منشغلة الآن بكتابة نص طويل عن العراق أبدؤه بهذه العبارة:

لي في العراق عمّ واحد مات قبل أشهر قليلة.

ولي في الأردن "عمان".

للمكان سطوة كبيرة في رواياتك بل يكاد ينافس الشخصيات..لماذا المكان حصرا وليس الزمان؟

- أنا أعمل على المكان والزمان معاً. لكن المكان وبسبب النكبات والكوارث التي مررنا بها كان له أثره العميق في سياق الفعل الروائي لدي.. كما أننا عموما مولعون بالأمكنة خصوصا تلك التي شهدت ولاداتنا واحتضنت طفولتنا وانطبعت عليها آثار خطانا ونكهة ذكرياتنا، ومنحتنا من جانبها صفات شخصياتنا.. والمكان ليس فقط هو الحاضن الأول لتجاربنا خلال سنوات العمر المقدرة لنا في الحياة، وإنما هو الحاضن لأجسادنا بعد الموت، بينما الزمن يتواصل من دوننا ناسيا أو متجاهلا أولئك الذين مروا على هذه الأرض في مرحلة من مراحله.

*ما هو مشروعك القادم؟

- في رأسي الكثير من الأحداث التي جرت في طفولتي.. وما زلت أسمع همس أولئك الناس الذين عاشوا في "خان الحاج محسن" مواجهة نهر دجلة من جهة الرصافة والذين كانوا أبطال روايتي الأولى "بينت الخان" لذلك بدأت برواية جديدة هي عودة إلى ذلك المكان وإلى الناس الذين لم تتح لهم فرصة الظهور في عملي الأول أو الذين كانت مساحة أدوارهم لا تناسب حجم مواقعهم الحقيقية في ذلك الخان الذي لم يعد له وجود منذ أكثر من أربعين عاما لكن مخيلتي تسافر إلى هناك وتعيد كل زاوية فيه.

التعليق