أبو علي : نزال شاعرة "بعل" لاتشبه إلا نفسها

تم نشره في الجمعة 21 تموز / يوليو 2006. 09:00 صباحاً
  • أبو علي : نزال شاعرة "بعل" لاتشبه إلا نفسها

في تعقيب له على أمسيتها بالمعهد الدولي لتضامن النساء

نوال العلي

  عمّان-قد يتساءل أحد ما عن غياب الشاعرة رانة نزال الذي دام تسعة أعوام منذ ديوانها الأول "فيما كان" الصادر في العام 1998، لكن من يصغي إليها في أمسية أقامتها في المعهد الدولي لتضامن النساء أول من امس يعلم أنها لم تغب.

كانت نزال أماً لصغيرها المتمرد المنفلت من اللحظة إلى زمن آخر تجلت فيه وحدها بكامل نرجسيتها، وهو شعرها الذي دللته حتى انفلت من كل عقال غير آبه بأحد:

"كم ربيتك

كم انهمت بك عروقي

لكنك غدوت نثراً لبوسه الشعر

شعر لا يطاول اللب

لا رنة له

يحوّم فراشاً ضللته النار".(بقايا سرد)

قرأت نزال من مجموعتها الجديدة "مزاج أزرق" العنوان الذي يوحي بحالة وجودية اكتست بكآبة ما، فالأزرق لون الكآبة كما يقال.

"أومئ بقلبي المشروخ

إلى كرج اللثغات

وانمحاق الرغبات

وانفلاق الوضاءات

وأومئ فما أومئ

إلى رسل عبروا دمي

وأيقظوا صلواتهم في عتمة الطفل الوليد". (إسراء الذهب)

ومن قصيدة "بقايا سرد" قرأت نزال:

"أطفئ الثالثة

ألمس عقاربها

أعيد تركيبها

فلا أفلح

وفي غفلة مني

ولجت السابعة حن الدار

فارتداني القناع".

وتبدو الشاعرة في انفعالها كأنها تكتب قصيدتها للتو، فلا زالت الكلمات طازجة في عروقها، تندى على لسانها، وتوجع روحها:

"الغريب

أن الفكرة ما عادت وطناً

وأن الذكرى سخرية موحشة

وأن الدمعة بلا رنين

...

الغريب

أن هراوة الشتاء تدق عظامنا

ولا نحن إلى المعطف" (مفارقة)

وكأي إمرأة ترصد إيقاع الزمن على جسدها وملامح ذاتها، أدركت نزال المولودة في العام

 (1969) قصيدتها عند سفح الثلاثين. من إسراء الذهب تبوح القصيدة بسرها وتصعد بنزال إلى سماوات ما كانت لتعرفها لولا تنمرها على الزمان والمكان:

"بخاطري إرث السر

وإرتحال النوق في الفلوات

ودمع التراب

 وهو ينعى خطى العابرين

..بخاطري وضوء الدم

في عتمة الضحى

وعري النهر من ضفافه

وارتجال قصيدة عصماء

عند سفح الثلاثين"

هكذا هو طعم قصيدة نزال، لا حلو ولا مر، حامض الشعر حين يخرج من حبة الروح معصوراً كأيامها:

"كذا طعمي

لا حلو

ولا مر

حامضة أيامي

بعض البهار زعفرها

وآنيتي حنظل".(غابة عمياء)

لاحول لها ولا قوة وهي تهدي جسارتها وقلة ذات اليد، وحيلتها وكل ما هو مخبوء تحت سريرها. تلك الهديا التي تندرج في سياق الزمن والقدر:

"أهدي ما لا أشاء

لمن لا أشاء

بلا هيمنة

أو ضغينة

وأظل على مزاجي

أقصص المبتسر من الحكاية

على مسامع من لا يسمع

على جمهوري المحتشد في الصالة الصماء

فيا زهوري المرجومة

ما كنت يوماً زانية

وما برح مرجك العالي

يرفرف بخضرة

لاحد لنداها

ومداها

وشذاها".

من جهته قدم القاص رسمي ابو علي قراءته التي اشتملت مجموعة من الملاحظات حول شعر نزال. يقول أبو علي "شعر نزال صعب، لا يعطي نفسه بسهولة، ليس شعرا مباشراً سلساً أوغنائياً رغم أن بعضه غنائي ذو إيقاع تراجيدي".

ويبدو أن نزال شاعرة بلا آباء ولا مرجعيات بحسب أبو علي، "إنها بالتعبير الشعبي شاعرة "بعل" وهو تعبير يطلق على نوع من الخضروات التي تنمو بلا ماء. شاعرة لا تشبه إلا نفسها".

ويرى أبو علي في شعرها استعارات غريبة وتعابير خفية مشفرة "كأن بها سراً تجهد ألا تبوح به إلا إيماء خفياً".

ورغم تحرر نزال من المرجعيات الشعرية إلا أن القارئ كما يرى أبو علي"يلظ تأثراً واضحاً بالقرآن والكتاب المقدس، ليس كاقتباسات مباشرة دائماً، وإنما ضمن تداخل وتناص يصبح في حميم بينة الجملة الشعرية"

"أنا البلد

مولودة ولم ألد

أقشر عني الغثاء وأسمال الزبد

عيوني قدس

ولني تفاحة كل الكروم

ولكن هارونا ما قصد

كثر حساد زنبقتي

كثر أصحاب عربدتي

كثر..كثر ولا أحد".

يورد أبو علي هذا المقطع مشيراً إلى أن فيه ملامح من نشيد الإنشاد وقبس من القرآن في آن معاً.

ويؤكد أبو علي انفلات شعر رانة من التفعيلة والقافية، "ولكنها دون أن تقصد تأتي أحيانا وفي ثنايا شعرها بشعر موقع وذي وزن صحيح وهذا يدل على أن بإمكانها أن تعتمد شعر التفعيلة إذا شاءت، ولكن يبدو أن إحساسها بضرورة التفلت من كل قيد والتمرد على أية مرجعية هو الذي يدفعها للفرار سريعا عندما تضبط نفسها وهي تقول شعراً موزوناً".

"أحد أحد

والجنتان جنتان هذي جهنم الحمراء وتلك عدن

والتيه درب للصمد

والآه مفتاح الأبد

فدع الغبار مكدساً

في ردهة الغيم المسجى

واجعل كلامك من ذهب

أحد..أحد"

هذا هو الشعر الموقع كامل الدسم كما وصفه أبو علي متسائلاً "ما سرّ هذا التمزق المقيم في الروح والجسد؟ وهل ترمي بكل شعرها إلى رسم بورتوريه بضربات قلم نافر متمرد يذكرني بضربات فان كوخ في لوحاته؟".

التعليق