معرض استعادي للفنان عبد الحي مسلم: غزل الصبايا باللون والصبابة

تم نشره في السبت 15 تموز / يوليو 2006. 09:00 صباحاً
  • معرض استعادي للفنان عبد الحي مسلم: غزل الصبايا باللون والصبابة

وقع على هامشه كتابا عن "التراث الشعبي الفلسطيني"

محمد جميل خضر

عمّان- يتأسس المشروع الابداعي للفنان التشكيلي عبد الحي مسلم على الاحتفاء بالتراث الشعبي الفلسطيني واعادة احياء اشكاله المختلفة عبر اللوحة/ المنحوتة التي ينجزها المولود في قرية الدوايمة/ الخليل في العام 1933 بأسلوبية خاصة به استخدم فيها خلطة من نشارة الخشب والغراء ويلونها بالزيت او بالاكليريك لتصير عملا فذا مختلفا يعبق بوجوه الناس الطالعين من العرس وطقس طهور الصغير والجلوس امام شاعر القرية او الحكواتي السارد قصص الفخار والزير سالم ابو زيد الهلالي سلامة وعنترة وعلي بابا والسندباد والشاطر حسن وغيرهم.

ضمن هذه الاجواء افتتح مساء الاربعاء الماضي معرض استعادي للفنان المبدع بالفطرة في جاليري دار الاندى وتحديدا في الصالة الخفية للدار كون الامامية مشغولة بمعرض الفنان التشكيلي الفلسطيني تيسير بركات "الرقم الذي صار اسما" المتواصل حتى نهاية الشهر الحالي.

وعلى هامش المعرض المحتوي على 44 لوحة نفذت بأوقات مختلفة يعود بعضها الى اكثر من 20 عاما وقع مسلم صاحب اكثر من 35 معرضا شخصيا على كتاب "التراث الشعبي الفلسطيني في اعمال الفنان عبد الحي مسلم زرارة" الذي اعدته وصممته الفنانه آلاء يونس وقدم له وجمع مادته النقدية الفنان محمد ابو زريق.

وترجمت نصوصه وموضوعاته الى الانجليزية الفنانه ديالا خصاونة والى الالمانية د. عمر الغول الذي كان الى ذلك المستشار اللغوي للكتاب الواقع في 95 صفحة من الورق المستطيل المصقول الملون بلوحات مسلم الزاهية بألق التراث وخصب اثواب النساء "المتسربلات" بعراقة الطابون والتنور والواضعات فوق رؤوسهن جرار الفخار او اواني القشر وقد تهدلت على اكتافهن وظهورهن المناديل الموشاة بالحرير والبعيدة عن التزمت.

وفي كل صفحة من الكتاب الذي اسهم اشخاص كثيرون في رؤيته النور منهم مجدولين الغزاوي وجميلة ومنى كيالي وغيرهن, يتصدر عنوان يتعلق بمفردة من مفردات التراث أو طقس من طقوسه مثلا "خشة الدار" وتحت العنوان يوضح مسلم ومن أعدوا الكتاب بأسطر قليلة قصة العنوان "بعد الخطبة بايام يشتري اهل العريس بعض الهدايا, مثل مناديل الحرير والصابون المعطر أو زجاجات العطر, وتوضع في مناديل وتحملها أخوات العريس, ثم يتوجهون الى بيت العروس مصحوبين بالعريس ووالديه, فيستقبلهم والد العروس ووالدتها مرحبين بهم". وهكذا الامر دواليك وتتلاحق العناوين والتفاصيل "حنا العروس"، "زفة العروس على الجمل"، "رقصة الصبايا"، "العريس والعروس"، "السامر"، "الشاعر الشعبي"، "صيام رمضان"، "عودة من كروم العنب والتين"، "دار ام عبد الحي"، "عيد الشيجور أو شم النسيم". وترافقت بعض العناوين مع مقاطع من الغناء الشعبي والزجل والشعر المحكي الذي كان يغنى في حفلات السامر او يلقيه شاعر القرية في حلقات السهر.

وعن بيته القديم يقول مسلم: بيت جميل تتوسطه رمانة حيث ولدت, يقع البيت في الجهة الشمالية من قريتي الدوايمة, عشت فيه وترعرت قبل احتلال القرية في العام 1948، وكان عمري عندها 15 عاما, وكانت الصبايا تتجمع في بيتنا كل يوم تقريبا, لأنه يخلو من الرجال إلا من عبد الحي, الطفل الصغير الذي يتسلق الرمانة, ويستمع الى قصص الصبايا المختلفة واحاديثهن والى اغانيهن، ومنها "يا حلو خليتني رق البصل والثوم/ لا اوكل ولا اشرب ولا يجي ع بالي النوم ظليت اداديك واحط البلح في ايديك/ على ايش يا زين تكرهني وانا اريدك".

وتقاطعت موضوعات الكتاب ورسوماته مع اعمال المعرض, وجاءت العناوين واحدة, لان مسلم اختار عرض اللوحات التي وضعت في الكتاب والمحققة نوعا من التسلسل التعريفي بعادات تراثية معينة, خصوصا طقوس العرس الشعبي وخصوصا في قرى الخليل ومناطقه.

وفي لوحة "زيتونة محفوظة" التي حمل المعرض اسمها ينقل مسلم بأسلوبه التعبيري الابداعي تفاعله وتعالقه مع الصورة التي بثتها وكالات الانباء قبل اشهر لفلاحة فلسطينية من قرية سيلة الظهر تدعى محفوظة تشبثت بزيتونتها التي كانت قوات الاحتلال الاسرائيلي تهم بقطعها, وصارت بعناقها للزيتونة كما لو أنها زيتونة اخرى ضاربة جذورها في ارض اجدادها وموائل ذاكرتها, كانت تقف شامخة ملتحمة بالمكان الذي ولدت فيه وأعمرته وزرعت فيه الخصب والبناء ضد الهدم العدواني والتخريب الهمجي.

وبلغته الفتية السهلة الممتنعة وبنشارته الذهبية كما يصفها مسلم, انجز اللوحة التي وضع فيها كثيرا من مفردات الامل بمستقبل افضل يصنعه صغار فلسطين واطفالها الطالعون من الغضب والحب والولاء.

يكتب مسلم في بداية الكتاب الذي تضمن لوحات تعكس أزياء بئر السبع وبيت جالا والمجدل والخليل وبيت لحم والقدس ورام الله وغيرها من مدن فلسطين, "حينما اجلس كل ليلة امام لوحاتي... فكأني اعبر الطريق الى الجليل... وابوس التراب".

ويتضمن الكتاب الذي يهديه الفنان الى الاهل في فلسطين ووالدته وزوجته واولاده وادواته البسيطة وغليونه وعلبه التوباكو واوراق الهيشة وكل من اسهم في انجاز الكتاب, شهادات نقدية وابداعية حول تجربة مسلم, شارك فيها الفنانان التشكيليان الراحلان مصطفى الحلاج واسماعيل شموط, ومحمد ابو زريق, ويوسف عبد العزيز, الناقد التشكيلي السوري اسعد عرابي, الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة, د. عز الدين المناصرة, محمود اللبدي, شوقي البعيع, محمد العامري, عمر شبانة, الروائية السورية ناديا خوست, محمد خير مخطية, محمود عيسى موسى, الناقدان التشكيليان السوريان خليل صفية ود. محمود شاهين, حسين دعسة, محمود خليلي, اضافة الى اقتباس من حوارات اجراها معه الزملاء‌: تيسير النجار, عبد الرحيم غنام, رسمي الجراح وغازي النعيم.

التعليق