"الرقم الذي صار اسما": رسائل تقطر أوجاعا ومعنى

تم نشره في الأربعاء 12 تموز / يوليو 2006. 09:00 صباحاً
  • "الرقم الذي صار اسما": رسائل تقطر أوجاعا ومعنى

افتتاح معرض الفنان الفلسطيني تيسير بركات في جاليري دار الأندي

محمد جميل خضر         

عمان- "اهلي الأعزاء السلام عليكم، انا بخير، لا تقلقوا علي، ضعفت قليلا من السجن، لكن صحتي جيدة. السجن عالم آخر، انا مشتاق اليكم كثيرا. بعرف كم هو صعب علينا ان نضرب عن الزيارات، نحن نحاول تحسين شروط اللقاء معكم، سنناضل حتى يسمحوا لنا لمس اصابعكم عبر الشباك.

 يمّا بدي احكيلك هالشغله بس اوعك تقولي ابني انجن، انا صادقت صرصورين قبل سبعة ايام، بلعب معهم واقضي وقتي بين القراءة ومراقبة الصرصورين، وضعتهما في علبة صغيرة وكل يوم باطعمهم رشة سكر، واحد لونه اسود وواحد لونه بني، يمكن اجوزهم عندما يكبران، وكل يوم بطلّعهم من العلبة عدة ساعات.

سلامي للجميع يامّا.

ابنك محمد".

هذه رسالة كتبها اسير فلسطيني موجود في سجن مجدو الى اهله في الخليل في العام 2004، وهي تشكل مع عشرات الرسائل الأخرى، الثيمة الرئيسية التي ارتكز عليها الفنان الفلسطيني تيسير بركات في اعمال معرضه"الرقم الذي صار اسما" الذي اقيم خلال اليومين الماضيين في جاليري دار الأندى.

وعبر 13 لوحة منجزة بأحبار وأصباغ خاصة 48 عملا فنيا مركبا من خشب وزجاج(صناديق تشبه اقفاص السجناء)، يدور بركات المولود في مخيم جباليا في غزة العام 1959، حول الأبعاد الإنسانية للسجين، ويتحرك جماليا من خلال اسلوبية بعيدة عن المباشرة والشعاراتية في ظلال الوجع المتحقق من الغياب، والانين الطالع من لحظات الانتظار وساعاته وايامه وشهوره واعوامه وربما عقوده.

وفوق مربعات الخشب الصغيرة في معظمها، يضع بركات صاحب 12 معرضا شخصيا قبل هذا المعرض، و22 معرضا جماعيا، لمسته الخاصة: وشم حريق يشبه حزنا قابعا قرب باب السجن، او أملا طالعا من كوة صغيرة في آخر الجدار.

ولأن الحالة التي يعاينها بركات الحاصل في العام 1983 على بكالوريوس فنون جميلة من جامعة الاسكندرية تحمل خصوصية من طعم خاص، فقد جاءت ألوانه اقرب الى اغتراف صادم من ألوان الاحتراق، وانعكاسات الزمن على الاشياء.

وعن تجربته مع القابعين خلف القضبان والأسلاك الشائكة، يكتب بركات موجها حديثه لهم:"ترسمون وردا وشلالات ماء وغزلان تسابق الريح.. وبيوتا من الجنة في عتمة الليل.. تربون اطفالكم من مترين في مترين، تنبعث آثاركم. واغتسلت بروح الحياة فيكم.. اكتويت بالماء البارد شتاء.. وهربت مهرولا الى المدفأة. ابتعدت عن اطفالي اسبوعا وعدت معانقا.. تجولت في ظلام السجون من خلال رسائلكم فأهداني نور الحياة والحرية فيكم، اغيب وتعيدوني اليكم.. تسرقني تفاصيل الحياة وتفاجئني تفاصيلكم على كل منعطف.. اغيب عنكم وتدميني ملامسة اطراف اطفالكم على الشباك.. تصعقني كهرباء الحياة التي تتواصلون بها من فتحات صغيرة.. يدميني بريق اعينكم وانتم تودعون فلذات اكبادكم على الشباك.. تحلمون في الليل بالهدايا والعيد وحديث صباح الجمعة والعودة الى البيت وقت الغسق وعشاء وقبلة.. الصابرون الحالمون بالحرية والعدالة.. المتسربلون برداء الليل .. المنتظرون الفجر المعشق بأزهار اللون، القابضون على حجر الانعتاق والوارثون مغارة الركوب الأول للبحر والناشرون الأرجوان على هضاب الليل.

الليل، البرد، زخات الماء المثلج على اجسادكم، اعتراف سجانيكم، تأمل اطفالكم، انحباس دمعة آبائكم، انهمار دمعة امهاتكم، حبة جوافة على الشباك، منديل، قصاصة أظافر، صورة، دمعة حبيبة، زواج عبر الأسلاك، بوابة تفتح، تبادل أسرى، عصفور في الغرقة، اضراب عن الطعام، حب لم يكتمل وجرح لم يندمل، قصاصة ورق، كبسولة، خندريش، شروط محسنة للسجن، كاميرا في الزنزانة، علاج بشروط انسانية، طائر يعود الى زنزانتكم، بوابة سوف تفتح يوما، فجر وانعتاق وحرية سوف تكون".

وليس مصادفة ان يختار بركات الذي سافر بأعماله وتنقلت معارضه الشخصية بين عديد من الدول الاوروبية (ايطاليا وفرنسا وبريطانيا واسبانيا والمانيا وبولندا وغيرها) والعربية واميركا، رقم 48 عددا لعمله المركب، فمنذ النكبة الاولى في العام 1948 لم تتغير الاوضاع كثيرا في المنطقة، وارتحل الشعب الفلسطيني من معاناة الى اخرى، وسافروا من وجع الى آخر. وفي صناديق الحكاية التراجيدية المعبأة بالشجن، يطلع خال خشبي محروق، من دون اسم ومن دون وجه مترافقا مع رسائل السجناء الذين نسي بعضهم الزمن وتشابهت لديه الايام.

وهي ليست رسائل رسمية، وذاكرتها الوحيدة هي الالم المشترك والمعاناة الواحدة، من دون ان يهمل بركات التوقيع الشخصي لكل صاحب رسالة على رسالته، فثمة خصوصة تتعلق بالجانب الانساني، بكيفية ترويض حشرات الارض، ولحظات الصمت، والتحايل على اللاجدوى والخواء.

من شفافية الزجاج وإحكام انغلاقه، ورمزية الخشب المظلل بالرموز والنار وعلاقته بزيتونة الفلسطيني ورسوخها فوق ارض الاجداد، يلقي بركات العاشق ضوءا حدوبا على اوضاع الحياة اليومية للناس الذين يعيش بين ظهرانيهم، وينتمي الى آلامهم وآمالهم، وينسج رسائله البسيطة الى الضمير الانساني، ويترك صناديقه المكررة كما لو انها صف زنازين في سجن بعيد، تقول كلمتها وتوصل رسالتها.

(تصوير اسامه الرفاعي)

التعليق