أيديولوجيا الحداثة: من المستحيل تحديد أصل الوجود الإنساني وغايته

تم نشره في الاثنين 3 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً

 

جـورج لـوكـاش

  ليس مدهشاً أبداً أن تجد المدرسة الأبعد تأثيراً في الكتابة المعاصرة نفسها مضطرة للالتزام بدوغمائية اللاواقعية "الحداثية". ومن هنا بالتحديد ينبغي لنا الشروع ببحثنا إذا ما رغبنا تعقب إمكانيات وجود واقعية برجوازية. ينبغي لنا أن نقارن بين الاتجاهين الرئيسيين في الأدب البرجوازي المعاصر وأن ننظر في الإجابات التي يقدمانها على الأسئلة الأيديولوجية والفنية التي يطرحها وقتنا الراهن.

  سوف نركز على الأسس الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه الاتجاهات. لكن ما ينبغي تجنبه مهما تطلب الأمر هو المنهج الذي يتبناه النقاد البرجوازيون الحداثيون أنفسهم، والذي يتسم بذلك الاهتمام المبالغ فيه بالمعايير الشكلية، بقضايا الأسلوب والتقنية الأدبية. إن هذا المنهج يبدو وكأنه يميز بحدة بين الكتابة الحديثة modern والكتابة التقليدية traditional (مثل نتاجات أولئك الكتاب المعاصرين الذين يلتزمون بأساليب القرن المنصرم على سبيل المثال). وهو منهج يفشل في تعيين مواضع المشكلات الشكلية الحاسمة ويتعامى عن جدلها المتأصل في طبيعتها، فلا نحصل منه بالتالي سوى على استقطاب زائف، والذي يخفي (بمبالغته في تضخيم أهمية الفروقات الشكلية) تلك المبادئ المتعارضة التي تتسبب فعلاً في وجود الأساليب المختلفة وتحدد طبيعة هذه الأساليب.

  فلنأخذ المنولوج الداخلي monologue intérieur مثالاً. ولنقارن على سبيل المثال بين مونولوج "بلوم" الداخلي في الحمَّام أو منولوج "مولي" في السرير في بداية رواية "يوليسيس" Ulyssess وفي نهايتها، وبين منولوج "غوته" في الصباح المبكر الذي أورده توماس مان في روايته "لوته في فيمار" Lotte in Wiemar. وسنجد بوضوح أن التقنية الأسلوبية نفسها  قد جرى توظيفها في الحالتين، ولعل بعض تعليقات توماس مان على جويس وأساليبه تؤكد ذلك.

ومع ذلك، فإنه ليس من السهل التفكير بروايتين أكثر تبايناً من حيث الأساس من يوليسيس ولوته في فيمار، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على المشهدين اللذين ذكرتهما واللذين يبدوان متشابهين تقريباً في ظاهرهما. وأنا لا أشير هنا إلى ما يبدو لي فرقاً مدهشاً في النوعية الفكرية، وإنما أشير إلى حقيقة أن تيار الوعي عند جويس ليس مجرد أداة أسلوبية، وإنما هو يشكل في ذاته العنصر المكوِّن الذي يحكم نمط القص وتقديم الشخصية. وبهذا، تكون التقنية هنا شيئاً مطلقاً وتشكل جزءً لا يتجزأ من المطمح الجمالي الذي يعطي "يوليسيس" شكلها وجوهرها. أما عند توماس مان، فإن المنولوج الداخلي لا يعدو كونه أداة أسلوبية وحسب، تسمح للمؤلف باستبطان مكونات عالم "غوته"، وهو ما لم يكن  ليتسنى له بطريقة أخرى. إن تجربة "غوته" لا تقدَّم بينما هي حبيسة انطباعات حسية لحظية، ذلك أن الفنان يذهب عميقاً في جوهر شخصية "غوته" حتى يصل إلى العقدة التي تتشابك عندها علاقاته مع ماضيه وحاضره، بل ومستقبله. ويبدو التيار الذي ينتظم هذه العلاقات حرّاً في ظاهره فقط، في حين جرى نظم المنولوج وصياغته بأقصى درجات الدقة والصرامة الفنية ليشكل سياقاً محبوكاً بعناية ينفذ تدريجياً إلى عمق شخصية غوته، وعلى نحو أُعطيَ فيه وزن معين وموقع محددٌ ضمن النمط الكلي لأي شخصية أو حادثة تنجم لحظياً من ذلك التيار ثم تعاود الاختفاء.      

  ومهما كان حجم اللاتقليدية التي تسِم العرض، فإن المبدأ التأليفي هو ذلك المبدأ نفسه الذي استخدم من قبل في الملحمة التقليدية، من حيث الطريقة التي تتم وفقها السيطرة على إيقاع العمل، وكذلك الطريقة التي يتم وفقها تمييز الانتقالات والذرى، وعلى نحو روعيت فيه قواعد القص الملحمي بكل إخلاص.

ربما يبدو من غير المعقول بالنظر إلى مطامح جويس الفنية وقدراته الجلية أن يجري تقييم انتباهه المبالغ فيه بالتسجيل المفصل لمعطيات الحواس وإهماله النسبي للأفكار والعواطف، على أنه فشل فني. ذلك أن جويس قد وظف ذلك كله في خدمة مقاصده الفنية، والتي يمكن القول بأنه قد حققها بنجاح باستخدام مثل هذه التقنيات. لكن هناك تعارضاً كلياً بين مقاصد جويس ومقاصد توماس مان. ذلك أن الأنماط التي تتخذها مدخلات الذاكرة والحواس دائمة التأرجح، كما أن حقولها مشحونة بقوة، وهي تتحرك مع ذلك بلا غاية ولا اتجاه. كل ذلك يؤدي إلى نجوم بنية ملحمية، وهي بنية سكونية، مما يعكس اعتقاداً بالخصيصة السكونية للأحداث أساساً.

  إن هذه الرؤى المتعارضة للعالم، والتي تراه دينامياً وتطورياً من جهة، وسكونياً وحسياً من جهة أخرى، تكتسب أهمية حاسمة لدى تفحص مدرستي الأدب اللتين ذكرتهما أعلاه، وسأعود لاحقاً إلى بحث هذا التعارض. أما هنا فأنني أرغب وحسب إيضاح أن التركيز الكثيف على القضايا الشكلية يمكن أن يقود إلى سوء فهم خطير لشخصية عمل الفنان.

ما الذي يحدد الأسلوب إذن في العمل الفني؟ كيف يقوم المقصد intention بتحديد الأسلوب؟ إننا مهتمون هنا، بالطبع، بالمقصد الذي يمكن تمييزه في العمل الفني نفسه، والذي لا يجب أن يكون متطابقاً بالضرورة مع المقصد الواعي للكاتب. والفروقات التي تعنينا ليست هي تلك القائمة بين "التقنيات" الأسلوبية بالمعنى الشكلاني، لكن ما يهمنا هو النظرة إلى العالم، الأيديولوجيا أو المنظور weltanschauung الذي يقوم عليه عمل الكاتب. ذلك أن محاولة الكاتب إعادة إنتاج هذه النظرة إلى العالم هي التي تؤسس "مقصده" وتشكل العنصر المكَوِّن الذي يؤسس للأسلوب في نص مكتوب معين. وإذا ما نظرنا إليه على هذا النحو، فإن الأسلوب لا يعود صنفاً شكلانياً وحسب، بل يكون بدلاً من ذلك متجذراً في المحتوى، وعلى نحو يجعله هو الذي يحدد الشكل المعين الذي يتخذه محتوى معين.

  وإذن، فإن المحتوى يحدد الشكل، ومهما تنوعت دوافع الأدب (سواء كان الدافع عرض تجربة بعينها أو مرمى جدلي) فإن السؤال الأساسي، والذي سيظل أساسياً على الدوام هو: ما هو الإنسان؟

ثمة نقطة تفارق هنا: فإذا ما طرحنا السؤال على أسس فلسفية مجردة، واضعين جانباً كل الاعتبارات الشكلية، فإننا نصل – وفق رؤية المدرسة الواقعية- إلى المقولة الأرسطية التقليدية (والتي تم الوصول إليها أيضاً بطرق غير الاعتبارات الجمالية المحضة): "الإنسان حيوان اجتماعي" zoon politikon. وهي مقولة قابلة للتطبيق على كل الشخصيات التي أنتجها الأدب الواقعي العظيم، من أخيلوس إلى ويرثر، ومن أوديب إلى توم جونز، ومن أنتيجونا إلى آنا كارنينا. ذلك أن الوجود الفردي المخصوص لهذه الشخصيات  – وجودها في ذاته Sien an sich في المصطلح الهيجلي،أو "وجودها الأنطولوجي" كما يسميه الاصطلاح الأكثر شيوعاً- لا يمكن فصله وتمييزه عن بيئاتها الاجتماعية والتاريخية. إن معناها البشري، فرديتها المخصوصة والمميزة، لا يمكن فصلها عن السياق الذي انخلقت فيه.

تقف النظرة الأنطولوجية التي تحكم تصور الإنسان في أعمال الرواد من الكتاب الحداثيين تماماً على النقيض من ذلك. ذلك أن الإنسان بالنسبة لهؤلاء هو كائن انعزالي ومتوحد بطبعه، غير اجتماعي، وغير قادر على الدخول في علاقات مع الكائنات البشرية الأخرى.

  وقد كتب توماس وولف ذات مرة: "إن رؤيتي للعالم تقوم على اعتقاد صارم بأن الانعزالية ليست حالة نادرة بأي حال من الأحوال أو أنها أمر مقصور عليّ أنا أو على القليل من الآخرين. لكنها تشكل الحقيقة المركزية للوجود البشري والتي لا مناص منها". وربما يقيم الإنسان، وفق هذا التصور، اتصالاً مع الأفراد الآخرين، لكنه اتصال عرضي وسطحي، أو انعكاس استعادي retrospective reflection بالمفهوم الأنطولوجي. ذلك لأن "الآخرين" هم أيضاً "انعزاليون" في الأساس فيما وراء العلاقات الإنسانية الضرورية.

لا ينبغي الخلط بين هذه الانعزالية الأساسية في الكائن البشري وبين تلك الانعزالية الفردية التي يمكن أن نجدها في أدب الواقعية التقليدية. ففي الحالة الأخيرة، نكون قيد التعامل مع موقف بعينه والذي يمكن أن يوجد فيه الإنسان لسبب يتعلق بشخصيته أو بظروف حياته. وبهذا فإنه يمكن للانعزالية أن تكون محددة بشرطها الموضوعي كما في حالة "فليكتيتوس" بطل سوفوكليس، والذي وُضع على الشاطئ في جزيرة ليمينوس المنعزلة الجرداء، كما يمكن للعزلة أن تكون ذاتية وحصيلة لضرورة داخلية،كما هو حال "إيفان إليتش" بطل تولستوي أو شخصية "فريدريك موريو" عند فلوبيرت في "الثقافة العاطفية" Education Sentimentale، لكنها في كل الأحوال لا تمثل أكثر من شذرة أو طور، نقطة ذروة أو نقطة حضيض في حياة المجتمع ككل. ويكون قدر هؤلاء الأفراد خصيصة لأنماط معينة من البشر ضمن ظروف تاريخية واجتماعية معينة. أما إلى جانب عزلتهم وفيما وراءها، فإن الحياة المشتركة والنضال والتجمع في حيوات البشر الآخرين تمضي قدماً كما هو دأبها من قبل. وباختصار، فإن عزلتهم تكون قدراً اجتماعياً مخصوصاً ومحدداً وليست حالة إنسانية كونية.

  يشكل هذا الفهم الأخير، بالطبع، سمة لنظرية الحداثة وممارستها. ومع أنني كنت أرغب في هذه الدراسة تجنيب القارئ عناء الذهاب في نزهة مضجرة إلى الفلسفة، إلا أنني لا أستطيع سوى أن ألفت نظره إلى وصف هيدجر  للوجود البشري على أنه "إلقاء -في-الوجود" Geworfenheit ins Dascin. ويمكن بالكاد تخيل إيحاء أكثر تمثلاً لعزلة الفرد الأنطولوجية، فالإنسان "ملقى به -في - الوجود"، ولا تقتصر مضامين هذا التصور على أن الإنسان غير قادر بنيوياً على إقامة علاقات مع الأشياء والأشخاص خارج ذاته وحسب ، لكنه يتضمن أيضاً أن من المستحيل، نظرياً، تحديد أصل الوجود الإنساني وغايته.

فيلسوف وأديب مجري (1971-1885)

ترجمـة: علاء الدين أبو زينة

التعليق