فيلم "أزمة سير": رؤية ناقدة للحضارة الأوروبية المعاصرة

تم نشره في الثلاثاء 27 حزيران / يونيو 2006. 09:00 صباحاً

تعرضه اليوم لجنة السينما بشومان

  عمّان- الغد- يعرض في شومان في السابعة من مساء اليوم الفيلم الفرنسي "أزمة سير" للمخرج جاك تاتي وقام ببطولته أيضا.

ويعتبر الفيلم واحدا من أفلامه الأخيرة التي تعكس بامتياز خصائص أسلوبه الكوميدي مخرجا وممثلا،والذي يجعل عملية مشاهدة أفلامه تحتاج إلى تركيز خاص وانتباه للتفاصيل وتيقظ. ومعرفة والتعود على أسلوب جاك تاتي المميز هو المفتاح السليم لفهم أفلامه والتمتع بها .

  استطاع جاك تاتي، المخرج والممثل الفرنسي الكوميدي ذي الأسلوب المميز من خلال  الأفلام السبعة فقط التي أخرجها طوال حياته أن يصبح واحدا من اكثر مخرجي أوروبا شهرة في النصف الثاني من القرن العشرين ، حيث حظيت أفلامه باهتمام نقاد وهواة السينما .

  فيلم " أزمة سير " ( ترافيك ) هو في محصلته النهائية رؤية ناقدة للحضارة الأوروبية المعاصرة التي تجعل العلاقات بين الناس ميكانيكية لا روح فيها أبدا وهو صورة ساخرة من العصر الاستهلاكي المحموم المتسم بهوس السرعة، يتم تجسيدها من خلال تصوير التحضير والاستعداد لافتتاح معرض دولي للسيارات في مدينة بروكسل .

ويلعب جاك تاتي دور مندوب شركة سيارات فرنسية يسابق الزمن للوصول إلى بروكسل في الوقت المناسب. غير انه تصادفه العديد من الصعوبات والمفاجآت والمقالب التي تعيق وصوله مع السيارة الجديدة المجهزة بالإضافات المعدة لاستخدامات مختلفة والتي تسعى الشركة للترويج لها عبر المعرض الدولي، فلا يصل إلا بعد انتهاء المعرض ومغادرة المشاركين فيه وتفكيك تجهيزاته .

  من رحلة البداية وعبر الطريق الدولي وصولا إلى نهاية الفيلم ترصد عين الكاميرا عشرات التفاصيل الصغيرة المعبرة والمضحكة .

لا تسعى أفلام جاك تاتي فقط لإثارة الضحك، بل أن أسلوبه يرشد المتفرجين إلى ملاحظة ما يمكن أن يكون مضحكا في السلوك الإنساني اليومي .

فجاك تاتي يعمل على مراقبة تفاصيل السلوك اليومي للناس في مواقف  أوضاع معينة والتي لا يلاحظها أحد في العادة لأنها لحظات عابرة .

ولكن تكرار هذه التصرفات من قبل أشخاص مختلفين يجعل منها ظاهرة مثيرة للضحك خاصة إذا ما عرضها المخرج ضمن أوضاع محددة وبقصد السخرية منها .

  عن أسلوب جاك تاتي هنا يبدو وكأنه يضع التصرفات البشرية تحت المجهر ليكتشف تفاصيلها المضحكة ، او بالأحرى ليساعد المتفرجين على أن يكتشفوا بأنفسهم تلك الأفعال المضحكة التي يقومون بها في حياتهم اليومية دون أن يتنبهوا لها .

لهذا مثلا ، يعتمد أسلوب جاك تاتي الإخراجي على اللقطات العامة البعيدة من خلال الكاميرا الثابتة التي تبدو وهي تكمن في مكان خفي وتراقب ما يحصل أمامها بعين القناص اليقظ, كل مكان يتواجد ويعمل فيه الناس يتحول إلى مادة لمراقبة عدسة الكاميرا , فالحياة والمجتمع هما مادة أفلامه .

  أسلوب جاك تاتي بصري محض, لهذا يتضائل استعمال الحوار في أفلامه إلى أقصى حد ممكن, الحوار في أفلام تاتي جميعها لا قيمة له، وهو مجرد جمل متقطعة تقال عبر همهمة غير واضحة ، بل أن جاك تاتي يعمد عن قصد إلى تركيب الجملة من كلمات من خارج اللغة او من مزيج من لغات مختلفة . وهذا ما يجعل من أفلام جاك تاتي أقرب إلى السينما الصامتة منها إلى السينما الناطقة  .

ولا توجد قصة في أفلام جاك تاتي ، بل توجد فقط حالات ومواقف او أوضاع معروضة أمام عدسة الكاميرا تشملها فكرة عامة ، كما هو الحال في فيلم " أزمة سير " الذي يسخر من عصر الاستهلاك .

  من ناحية ثانية يقدم جاك تاتي نمطا جديدا كليا للممثل الكوميدي . فهو ، بعكس الممثلين الكوميديين لا يسلط الأضواء على نفسه ، ولا يقدم نفسه كشخصية رئيسية محركة للحدث بل كمجرد رابط بين أحداث او حالات وفقط لأنه موجود ضمنها ، وهو لا يعرض صورته أبدا في لقطات قريبة او حتى متوسطة .هو دائما يرى من بعيد يتحرك على عجلة من أمره وسط الناس ، يبحث عن شيء ما . 

جاك تاتي في جميع أفلامه يجسد شخصية واحدة هي " السيد هولو " النحيل والطويل القامة الذي تميزه مشيته الخاصة وملابسه التي لا يغيرها من فيلم لفيلم المتكونة من معطف طويل وبنطال قصير ومظلة تعرقل حركته باستمرار . وهو بهذا يسير في خطى شارلي شابلين الذي ابتدع شخصية " شارلو" الشهيرة بحركاته وملابسه المميزة .

التعليق