لوركا كتب شعرا من أجل الحياة فاحاطت به حمرة الموت

تم نشره في الخميس 8 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • لوركا كتب شعرا من أجل الحياة فاحاطت به حمرة الموت

 

108 عاماً على مولد شاعر اسباني "سيد الألوان المبهرة"

   عمّان-الغد- ولد فيدريكو جارثيا لوركا في قرية من قرى غرناطة الأسبانية هي "فونتي فاكيروس" في حزيران(يونيو ) من العام 1898.

 قضى لوركا أولى مراحل دراسته في القرية، ثم انتقل مع أسرته إلى غرناطة حيث أنهى دراسته الثانوية، وبدأ في دراسة الحقوق والآداب، وتعلم العزف على البيانو والقيثارة، وبدأ في التردد على المنتديات الأدبية، وانتقل في العام 1919 إلى مدريد.

   أقام في بيت الطلبة وعقد علاقات حميمة مع العديد من الفنانين، منهم: التشكيلي الشهير سلفادور دالي، والمخرج السينمائي لويس يونونيل، وفي العام 1928 أصدر مع عدد من أصدقائه مجلة أدبية لم يصدر منها إلا عددان، ثم سافر في رحلة إلى أميركا.

وفي العام 1928 نشر الطبعة الأولى من ديوانه "القصائد الغجرية" الذي جلب اليه الشهرة في ليلة . وفي العام نفسه أيضاً أسس مجلة تقدمية باسم "غالو" وتوقفت عن الصدور بعد عددين فقط، وفي الفترة الواقعة بين 1929 ـ 1930 تجول عبر الولايات المتحدة وكوبا. كان في تلك الفترة في أزمة عاطفية شديدة.

   وبعد عودته في العام 1930، بدأ مشروعا كان يمثل حلم حياته، وهو: تعريف الجمهور في الريف والقرى النائية الفقيرة بروائع المسرح الكلاسيكي الأسباني، وأنشأ ما عرف باسم "مسرح الكوخ"، وهوعبارة عن فرقة ألفها لوركا من شباب الجامعة كانوا يتنقلون بين قرى أسبانيا على ظهر شاحنة، فإذا حلُّوا بإحدى القرى نصبوا مسرحهم المتواضع لكي يقدموا عروضهم المسرحية مجانًا.

   انغمس لوركا بحماس في أعماله، موجهاً اهتمامه الى المسرح الذي أحبه وأبدع فيه، فقد كتب العديد من المسرحيات التي لاقت نجاحاً واسعاً ومازالت تمثل وتعرض حتى اليوم كمسرحية "عرس الدم"، و"يرما" و"الاسكافية العجيبة".  ونجحت مسرحيته "مارينا بنيدا" نجاحاً كبيراً، وفي العام نفسه أقام معرضاً للوحاته.

   غادر لوركا مدريد الى غرناطة وقد كان الوضع السياسي على أقصى درجات التوتر. وفي 20 أغسطس من العام 1936 لقي لوركا مصرعه في ملابسات غامضة، واتُخِذ مقتله أيامها سلاحا سياسيا وشعارا رفعه خصوم نظام الجنرال فرانكو في الشرق والغرب على السواء، وألقيت التهمة على النظام؛ ولم يكن له أي مصلحة في قتله، ثم اتهم حزب "الكتائب- الفلانخ " أيضا بتدبير الجريمة، رغم أنه كان يقوم بحمايته لعلاقة شخصية تربطه بأسرة معروفة تنتمي إلى الحزب.

   وفي مقالة بعنوان "فيديريكو غارثيا لوركا وثقافة الموت" يرى الباحث والأستاذ الجامعي العراقي د.محمد عبد الرضا شياع أن "ّ موضوع الموت يظل من الثيمات التي أغنت الإبداع اللوركي، بحيث إذا أراد لوركا أن يكتب شعراً من أجل الحياة فلا بد لذلك الشعر من أن يحمل بصمات الموت، وإذا كان غيره يبحث عنه في كتب الفلسفة والفكر، فهو يدركه في محيطه الخارجي".

وأشار إلى استقاء لوركا من أعراس بلاده وأفراحها قبل أحزانها وأتراحها، "فلوركا ينتمي إلى "ثقافة الموت". وقد تناول الكثير من كتّاب العالم فكرة الموت في حياة الشعب الإسباني.ويقدم ساليناس نموذجاً من هؤلاء ألا وهو الكاتب الإنجليزي هافيلوك أليس الذي يرى أنّ الموت جزء من المكون الموضوعي للمزاج الأخلاقي للشعب الإسباني.

وأضاف شياع "كان موت صديقه المصارع ميخياس جرحاً نازفاً على جسد القصيدة، فكانت " بكائية إغناثيو سانجيث ميخياس من المطولات اللوركية اللافتة التي جسّد فيها الشاعر"صراعاً بين الحياة والموت". كما لو كان يمارس رقصة طقوسية بين كبرياء المصارع، وفيض حيويته الغامر، والظلّ البارد للغياب أي الموت، بينما كلّ منهما يزيد من قامة الآخر، ويعززها ويضخم من غوامض أسرارهما وعوالهما المحجبة". وهذه أبيات من القصيدة:

ما أعظمه مصارعاً في الساحة!

ما أعظمه جبلياً في الجبل !

ما أرقه مع السنابل!

ما أشده مع المهاميز!

ما ألطفه مع الندى!ما أبهره في المهرجان!

ما أهيبه مع آخر!حراب العتمة!

بيد أنّه نام إلى الأبد.

الطحالب والأعشاب

تفتح بأصابع ثابتة زهرة جمجمته.

ودمه يسيل منشداً:

منشداً عبر المستنقعات والمروج

منزلقاً على قرون مشلولة.

   وفي قراءة لهذه القصيدة يقول شياع "تشي هذه الأبيات بثنائية الصراع بين الحياة والموت، والتي بلغت أوجها في هذه البكائية التي بلغ فيها الشاعر "درجة قصوى من النجاح". مضيفاً أن "لوركا أثبت على امتداد أعماله الإبداعية بأنّه " سيد الألوان المبهرة " التي تأخذ ألقها من حمرة الموت المجسّد للكتابة الشعرية".

   وحول ارتباط كتابات لوركا بمصيره قال شياع "ومصاحبتنا لهذه الكتابة توصلنا إلى أنّ هناك شيئاً متشابكاً بكلّ الموضوعات التي تزوّد هذا الشعر بدم الحياة، وأعني بذلك موضوع الموت الذي قدم لنا عنه تنويعات تراجيدية موجعة يظلّ نموذجها الأمثل هذه القصيدة، فقراءتنا لها تكشف فيها إشارات وتلميحات إلى المصير الذي سيلقاه نفسه".

ومن القصائد لوركا الشهيرة التي عبرت عن ارتباطه بالمكان قصيدة "أغنية المسافر" التي تحدث فيها عن مدينة قرطبة 

قرطبة 

نائية وحيدة

مهر أسود ، قمر ضخم

وفي خرج السرج الزيتون

****

ورغم أني أعرف الطريق

فلا سبيل أبلغ قرطبة

عبر السهل ، عبر الريح

سهر أسود ، قمر أحمر

والردى إلى ناظر

من على قلاع قرطبة

****

آه ألا ما أطول الطريق

آه ، أيا مهري الشجاع

آه ، فذلك الموت ينتظر

قبل بلوغ قرطبة 

****

قرطبة 

نائية وحيدة 

التعليق