معرض"خلوة وادي رم": التقاء الشرق والغرب حول إلهام واحد

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2006. 09:00 صباحاً
  • معرض"خلوة وادي رم": التقاء الشرق والغرب حول إلهام واحد

يتواصل بمشاركة ستة فنانين أردنيين وعرب وأوروبيين حتى 31 الشهر الحالي

 محمد جميل خضر

عمان - تباينت المحاكاة الابداعية لستة تشكيليين في معرض "خلوة وادي رم" الشرق والغرب يجتمعان حول بوصلة جديدة الذي افتتحه اول من امس من جاليري دار المشرق مندوباً عن سمو الاميرة وجدان علي مدير المتحف الوطني للفنون د. خالد خريس وانسجم النغم الابداعي مع روح المكان في مرة وغاب في اخرى عبر 38 عملاً تشكيلياً ونحتياً للفنانين: الايرلندي تومي بار, الالمانية دورثيا فليس, الفرنسية من اصل تونسي رومى(مريم بولهيبا), العراقي جبار مجبل والاردنيين سعدى(مها ابو عياش) وبدر محاسنة.

وانطلاقاً من واقعية جبار مجبل واعادة تصويره المكان والبيئة ولون الرمل والكثبان وتضاريس الجبال, مروراً بحفر رومى العميق في ابعاد القراءة الاولى وصولاً الى استنطاق فذ لإمكانات الرمل والصخر والحجر المعجونة في ذاكرة المكان, ووقوفاً عند يوميات دورثيا بليس ومقترحاتها حول التدوين والتنوع والاحتفاء, ووصولاً الى تجربة بدر محاسنة وتفاعله اللوني العميق مع المكان ومتوالية الهدم والبناء فيه, الى محاكاة تومي بار لآفاق الشرق ومخزونه الذي لا يموت، وليس انتهاء بمعالجات سعدى النحتية لعناصر التكوين، تتبدى الملامح الابداعية التجريبية في المعرض الذي يمثل خلاصة خلوة فنية اقام خلالها المشاركون في وادي رم واتبعوها بورشة عمل داخل محترف سعدى في عمان.

ومن خلال استهلال واقعي, مثل اعادة تصوير لكثبان وادي القمر وجباله الوردية الزاهية, قدم مجبل المولود في مدينة الناصرية العراقي العام 1952 رؤيته ضمن آفاق الخلوة, متدرجاً في لوحاته المشاركة في المعرض المتواصل حتى 31 الشهر الحالي والبالغ عددها خمس لوحات، من واقعية صارمة كما في لوحته الاولى المعبرة عن زاوية نظر افقية بانورامية عريضة للمشهد الخلاب من جبال رمل, وصولاً الى شكل من اشكال التجريد اللوني والبنائي كما في باقي اللوحات المشغولة بزيت على قماش او اكليريك على خشب او على قماش. واقام مجبل الحاصل على العام 1975 على بكالوريوس فنون جميلة من جامعة بغداد سبعة معارض شخصية, اضافة الى عديد من المعارض الجماعية, واشتهر الذي عمل كمصمم تصويري في الصحف العراقية لمدة 25 عاماً وكمدرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد ما بين 1992 و1998 بسلسلته"مخاوف معلنة" التي قدم فيها اربع تجارب تشكيلية في عمان وبيروت وروما والمنامة. ومجبل هو صاحب تمثال محمد سلمان في وسط بغداد(ثورة اذار (مارس) من العام 1941).

وحفرت رومى الفرنسية من اصل تونسي حضورها في المكان عبر تسعة اعمال بين الرسم والنحت والتركيب المحمل بآفاق واقانيم ورؤى عديدة، ودخلت بألوانها المشكلة من مواد مختلفة ومعالجاتها ومرجعياتها الفنية داخل مناطق وعرة في تفاصيل الوادي الوردي, وعاينت وهاد صحرائه بتحديق ابداعي عالي التعبير والتجريد والترميز والدلالة.

وحاكت رومى المولودة العام 1967 في مدينة دوفيل الفرنسية خطوط الرمل وخطوط الطالع, وتجلت في اعمالها روحانية, وظهرت كما لو انها (بصّارة) تقرأ افق المستقبل, وتنشد اللحظة غير المتعينة في المكان (المكان الذي لم يتكون بعد), وتقاطعت رؤاها الحالمة وتقنياتها الفذة مع انفاس الرمل وتفاصيل حجارته المختلفة والاخاذة بألوانها وتضاريسها المتحققة على مدى آلاف السنين.

ونثرت رومى صاحبة ثمانية معارض شخصية والمشاركة في اكثر من 20 معرضاً جماعياً حبيبات رمل الوادي فوق اللوحات المجدولة من وقع معايشة فاعلة لطقوسه وشروطه. وتتنقل رومى بين تونس وباريس كمنسقة ومشرفة على"ورش عمل الابداع", ولديها دورات تدريبية عديدة في مجالات التصميم والنحت والرسم بالزيت والجداريات, اضافة لدراستها في معهد دوبرييه الوطني الاعلى للفنون التطبيقية.

وعبر وعي مغاير لمفهوم المذكرات اليومية قدمت الالمانية دورثيا فليس مقولتها في المعرض الذي دعمت اقامته وقبل ذلك خلوته عدد مؤسسات أوروبية ومحلية. واستفادت فليس المولودة في رومانيا من رمل الوادي في انجاز لوحاتها وكراساتها, اضافة لاستخدامها نوعاً من الورق المذهب والمواد المشعة اللامعة(فارنيش) لتكون المحصلة11 لوحة وعملاً وكراسة زاهية الالوان وعالية التقنيات.

ودمجت فليس الاستاذة في جامعة اوراديا الرومانية بين روح الشرق وجماليات الغرب وشكلت اعمالها عمقاً تحاورياً بين الحضارتين وترى صاحبة 170 معرضاً فردياً وجماعياً ان الصحراء تمثل النقيضين: المناخ القاسي المعادي للحياة, والامل والايمان والثقة والتفاؤل وحب العطاء.

وعبر وعي فسيفسائي للون والكتلة والضوء والقمة، جَدلَ الاردني بدر محاسنة مفهومه الخاص لرم, والمتعلق بما يمثله الوادي من عمليات هدم وبناء, شكّل متوالية ازلية, ليس المكان سوى صنيعة جغرافية جيولوجية لها. وشكلت هذه المتوالية الكونية تحريضاً ابداعياً جمالياً لمحاسنة المولود العام 1977 في جرش, ورأى في تلك الجدلية الناموسية الخلاقة وسيلة دفاع طبيعية تتسلح بها الجبال والكثبان ضد الفناء وتجدد عبرها خلاياها وتعيد تشكيل نفسها في حراك ذري رملي يمتد على مدى سهوب الصحراء وهضابها.

ويعبر محاسنة الحاصل على 2002 على بكالوريوس حقوق من جامعة اليرموك عن رؤيته تلك المتعلقة بالهدم وللبناء بسلاسة ومن خلال استخدام تقنيات القشط والبحث داخل آفاق اللوحة, من دون ان تشكل رؤيته اقحاماً مفتعلاً داخل العلاقات اللونية والتعبيرية فيما تبرز الشقوق في لوحاته من مواد مختلفة على الخشب كتعبير عميق عن مفاهيمه حول الهدم والبناء.

وتنبش اعمال محاسنة المشارك في عدة معارض جماعية في تفاصيل الاشياء الصغيرة الممتدة فوق الصحراء المترامية, وتحاول تمثل حضورها الطاغي, وتعكس صدى صمت الفراغ من حوله.

وشكلت لوحات الايرلندي تومي بار الاربع محاكاة فذة لروح المكان وناسه وايقوناته, وخلافاً لمعظم اعمال المعرض الذي أمّهُ في يومه الاول جمهور كبير وعدد من اعضاء السلك الدبلوماسي والسفراء, فقد احتفت لوحات بار المشغولة بألوان زيتية خاصة سريعة الجفاف(الكايْد) مخلوطة مع رمل الوادي بناس المكان واطفاله وازيائه البدوية, وخلق بار المولود في بلدة دورمور الايرلندية تناغماً فذاً بين المكان وبيئته واجوائه. وكان اللافت في تجربته استخدامه الحروفية العربية في لوحتي"بنت شرقية" و"ولد شرقي" بإتقان وانسيابية بليغة.

وعبر مشاركة رمزية بثلاثة اعمال واحد منها قديم, قدمت سعدى مشاركتها في المعرض بمنحوتتين تعالقت فيهما مع اجواء وادي رم, وكشفت عن تفاعلها مع الصحراء التي ترى سعدى صاحبة ستة معارض شخصية وحوالي 24 معرضاً جماعياً فيها عودة الى كل ما هو اساسي, واثارة لمجسات الدهشة والتأمل.

وسعدى متفرغة منذ العام 1991 للفن في محترفها في عمان, وهي تستخدم في اعمالها ومنحوتاتها مواد متعددة مثل البرونز والنحاس الاحمر والحديد والصلصال والخشب والاسمنت والزجاج الليفي وزجاج المينا الحراري, وصاحبة مقولة ان الفن هو"التفاعل وحصيلته في الوقت ذاته" حاصلة على شهادتي بكالوريوس وماجستير فنون جميلة وهندسة معمارية من جامعات اميركية.

التعليق