الخليلي: "كأني أتبرعم بعد يباس، بعدما حسبت أن المحل اجتاحني"

تم نشره في الثلاثاء 2 أيار / مايو 2006. 09:00 صباحاً
  • الخليلي: "كأني أتبرعم بعد يباس، بعدما حسبت أن المحل اجتاحني"

في حفل لتكريمه نظمه "بيت الشعر الفلسطيني"

 

 

 يوسف الشايب

رام الله - "شعرنا لا يطلق الرصاص، ولكنه يطلق ضمير المقاومة من خناق الأسلحة، في مواجهة أعداء مدججين بكل أنواع الأسلحة .. أعداء، غزاة، قراصنة، غاصبين يكرهون الشعر، ويقتلون الشعراء، والأدباء والفنانين .. هم قتلوا الشاعر الزجال نوح إبراهيم، وهم قتلوا الكاتب الروائي غسان كنفاني، وهم قتلوا الشاعر كمال ناصر، وهم قتلوا الرسام الفنان ناجي العلي، وهم قتلوا القاص ماجد أبو شرار. وهم يواصلون القتل والتدمير والسلب والنهب في حروبهم العدوانية ... ونحن نواصل الحياة، نحب الشعر ونكتبه وننصت إليه، ونطوق أعناق الشعراء بالبنفسج البري والامتنان، ونحب القصة والرواية والمسرحية واللوحة التشكيلية والرقص والموسيقى والسينما، وكل أشكال الفنون والآداب، ونجعل من  عيوننا وقلوبنا منازل ومنابر لكل المبدعين .. ونحن ننتصر" .. بهذه العبارات ختم الشاعر علي الخليلي كلمته أمام جمع من الأدباء، والفنانين، والشخصيات الرسمية، في حفل تكريمه، الذي نظمه بيت الشعر الفلسطيني، يوم الخميس الماضي.

   وقال الخليلي: في الخندق المحاصر بالموت والخراب، نقف على قصيدة واحدة، هي حبة القلب منا، ضد الموت، وضد الخراب، فما أصعب المقصد، وما أطيب الشقاء في سبيله، مضيفاً: العدو من أمامنا، والعدو من ورائنا، والعدو إلى يميننا، والعدو إلى شمالنا، ونحن في هذا الخندق الأخير الذي نسيمه وطنا عن حق، ونسميه مقاومة عن حق، ونسميه ذاكرة عن حق، ونسميه شعراً عن أجمل الحقوق وأكثرها حزناً وفرحاً في آن، يتماهيان ولا ينحنيان بجلال الإحساس إلا لبلاد دهمتها الحرب، فجاء الشاعر يسعى ويهتف: يا بلادي، يا بلادي.

وخاطب الخليلي جموع المحتفين به: أشكركم، لأنني أشعر بما وجدتم، وكيفية بهائكم الندي، كأنني أتبرعم بعد يباس، وقد كنت حسبت أن المحل اجتاحني، وأن النسيان صادرني، وألقى بأشجاري وأشعاري في كهف مهجور.

   وأثنى المتحدثون على دور الخليلي في "صيانة المشروع الثقافي الفلسطيني، في أحلك الأوقات"، وقال الناطق باسم حركة فتح أحمد عبد الرحمن نيابة عن الرئيس محمود عباس: هذا التكريم اعتراف من قبل المجموع الفلسطيني، ومن قبل جموع المثقفين، بمساهمة غنية لها وظيفة مهمة في هذا الزمن الصعب، نحو استعادة فلسطين المسروقة، والوجود الوطني الفلسطيني .. ما أسعدني أن هذا التكريم يتم دون الحاجة إلى نيشان من هنا، أو رعاية من هناك، ومجتمع يصل إلى من الفعالية الوطنية المستقلة. مجتمع بلغ سن الرشد، ولن يعود إلى الوراء.. علي الخليلي جندي مثابر في الخندق الأول، وعلى مدى عقود طويلة تمترس في خندقه، وتسلح بالإصرار والعزيمة، إن كتب شعراً أو مقالة سياسية، أو غيرها، فهو من المساهمين في حماية الوعي الفلسطيني، وترسخيه وإغنائه.

وطالب عبد الرحمن بتحول هذا التكريم إلى نهج سنوي، نحو يوم فلسطيني للمثقف، الذي "يعيش عصارة شعب يعيش مأساة متجددة".

   واستعرض الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين الشاعر المتوكل طه محطات عدة من تاريخ الخليلي، منها سعيه الدؤوب نحو تشكيل أول اتحاد يجمع الكتاب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والذي دفع من عمره أياماً طوال في سجون الاحتلال ثمناً لذلك، فهو أول معتقل إداري من الأدباء والمثقفين الفلسطينيين، ومنها رعايته للعديد من الشعراء في بداية طريقهم، منهم المتوكل وعشرات غيره، في وقت كان فيه "الأستاذ الأول والوحيد"، مكرساّ ذلك عبر صحيفة "الفجر"، ومن ثم المجلة الأدبية التابعة لها، وقال طه: إذا كانت الأسطورة القديمة تقول بأن ثمة طفلاً تصادق مع طير، وكان يتفق معه على التقاط الرسائل من صناديق البريد ليقرأها، ويحذف الحزين منها، ويعيد إرسالها من جديد، ليخفف من عذابات المرسلة إليهم، فإن علي الخليلي هو تلك الأسطورة.

   وتحدث الأديب محمود شقير عن سمات الخليلي الإبداعية، فقال: يسجل للخليلي حرصه، وعبر خطابه التنويري، إلى النزوع الديمقراطي والعقلاني لثقافتنا الوطنية، الذي لم يتحقق إلا عبر الجهود الخلاقة لمثقفين مخلصين تمكنوا في أصعب الظروف من بلورة الأسس لثقافة فلسطينية حديثة لا تعرف العزلة والانعزال، ولا تقبل الردة والارتداد على قيم جرى ترسيخها عبر عشرات السنين في عقول جمهرة المثقفين الفلسطينيين، وفي عقول قطاعات واسعة من المواطنين .. ثقافة لا تركن إلى المفاهيم الضيقة المنغلقة على نفسها، ولا تضيق ذرعاً بما يخالفها من رؤى واجتهادات، ولا تواجه الرأي الآخر بمنطق المنع والحجب والمحاصرة والإقصاء.

   ولف الشاعر محمد حلمي الريشة، في كلمته المؤثرة عن "بيت الشعر الفلسطيني"، إلى  شعراء نبتوا من تربة الخليلي، وباتوا "يصعدون إلى الموت أو يهبطون منه"، وقال: "لكن هنا، وإن أدركنا بعد غفلتنا جميعاً عنك، وبعد صحوة متأخرة، وقد ملت ومالت شمسك بعد منتصف نهارها بكثير طرف ظلك، ولم يحالفنا وفاؤنا، من أمد طال، كي نستردك منا إلينا، رغم أنك فينا، فإننا نحاول أولاً أن ندير الرأس نحو الماضي، بسحنة مرتبكة وخجولة، ونحاول ثانياً أن نضبط الآن إيقاع عيوننا لقامتك الإبداعية العالية، ونحاول ثالثاً أن نشكر روحك المندلعة صبراً جميلاً، وهدوء عارماً، وحزناً باحتمال جرزيم وعيبال .. أيها المعلم الذي كنت مباحاً، والمعلم الذي ما زلت متاحاً، لم يزل ربيع عبارتك الشقية "الكتابة فرح"، وردي الشعر وأخضره، أتذكرها وأرددها كلما بدأت خطواتي تسير بي في القصبة التي كأنها الناي، حيث رائحة الفرن المجنحة تطير عبقة فيها .. حينها تشعل الذاكرة.

   وكان عثمان أبو غربية، في كلمة منظمة التحرير الفلسطيني، والإعلامي يوسف القزاز، أثنيا على الخليلي، الشاعر والإنسان، في حين انطلق حفل التكريم، الذي استطاع، من خلاله، الخليلي، أن يمحي، ولو لساعات، كل التناقضات التي تعصف كثيراً بالحركة الثقافية الفلسطينية، وقدم رئيس "بيت الشعر" الشاعر مراد السوداني كلمة قال فيها: في هذا النسيان العاتي ولحظة النقص، والنسيان الداهم، نقذف بحق الفرح على الكره الباطل، فيدمغه، فإذا هو زاهق، ونستقطر مثلما علمتنا "الضحك من رجوم الدمامة"، ووجوم الاعتراف الفعال بنقص اللحظة،... أيها الشاعر الجمرة في بيات الثقافة الشتوي، شكراً لأنك أعليت كعب ثقافتنا الوطنية، وركزت الكلام ضد غوائل الاستباحة والمحو والإلغاء، وأثبت، وبجدارة تستحقها، أن المثقف الحقيقي منتج زلزلة، ونتاج زلزلة".

التعليق