نزار قباني: عندما يولد في الشرق قمر

تم نشره في الأحد 30 نيسان / أبريل 2006. 09:00 صباحاً
  • نزار قباني: عندما يولد في الشرق قمر

 

8 سنوات على رحيل شاعر رسم بالكلمات وأغنى اقصيدة الحديثة 

"كنت أعيش في بحر من الألوان، أرسم على الأرض والجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثاً عن أشكال جديدة" هكذا يصف نزار قباني طفولته. وهكذا رأته أجيال بأكملها، مجرد طفل كبير يرسم بالكلمات، وثائر يريد تحرير الحب خصوصاً وأنه القائل: "الحب في العالم العربي سجين وأنا أريد تحريره، أريد تحرير الحس والجسد العربي بشعري". رغم أن قصائده ما زالت تثير الكثير من الجدل في الذاكرة، بجرأتها وتمردها، كقصيدة "خبز وحشيش" التي ألبت الكثيرين ضده:

"عندما يولد في الشرق القمر

فالسطوح البيض تغفو

تحت أكداس الزهر

يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر

لملاقاة القمر

يحملون الخبز والحاكي إلى رأس الجبل

ومعدات الخدر

ويبيعون ويشرون خيالا

وصور

ويموتون إذا عاش القمر"

ولد الشاعر نزار قباني في العام 1923 درس القانون وتخرج من جامعة دمشق في العام 1945 ثم عمل سفيراً لسورية في مصر وتركيا وبريطانيا والصين واسبانيا إلى أن تقاعد في العام 1966.

واشتهر قباني بأعماله الرومانسية الجريئة حيث تميزت قصائده بلغة سهلة استقبلت من ملايين القراء العرب. وساهم قباني في تطوير الشعر العربي الحديث بعد أن بدأ أولاً كتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر الحديث مركزاً في قصائده على قضية حرية المرأة خصوصاً في ديوانه "قصائد من نزار قباني الصادر في العام 1956 " نقطة تحول حقيقية في شعره.

ويرى الناقد محمد بالقاسم الهوني أن الوجه الآخر لشعر قباني يمثل الحض على النضال وعدم اليأس والاستسلام أمام الهزيمة لأن ثقته بالغد لا تنحصر مهما ادلهم الظلام، لافتاً إلى أن نزار كان يعي جيداً أنه منذور للشعر الحر ليعبر عما يمور في أعماقه عاكساً مشاعر الإنسان العربي أنى كان موقعه.

وتشير ابنة الشاعر هدباء قباني إلى أن نزار قباني كان صاحب رسالة شعرية خلق لها، وأنه كان يعامل البنات باحترام كبير إلى درجة أننا كنا نحس بأن كل ما كتبه عن المرأة من احترام المرأة كان يعيشه معنا من خلال فهم عواطفنا.

ويعتبر د. رياض الآغا أن نزار قباني من الذين أثروا في الوجدان العربي وطيبوه بإبداع أصيل مشيراً إلى أنه كان من أقرب الشعراء إلى قلبه خصوصاً في القصائد السياسية والعاطفية ومبيناً أنه تربى على تلك القصائد منذ مراهقته الأولى حين تعرف إلى "طفولة نهد" و"قالت لي السمراء" و"سامبا" وسواها من الدواوين الصغيرة التي كانت تمثل عالماً مختلفاً عن ذاك العالم الذي ورثته عن والدي.

الأكثر حضوراً

ويرى الشاعر حيدر محمود أن سيرة قباني جديرة بالتذكر، معتبراً أنه كان واحداً من أبرز الشعراء العرب خلال القرن الماضي، وأكثرهم حضوراً، بسبب تفرده بأسلوبه "السهل الممتنع" سواء في موضوعات قصائده، التي توزعت بين الغزل الجريء بالمرأة، حد الخروج عن المألوف.

ويضيف محمود أن قباني كان عرضة لحملاتٍ كثيرة من التكفير، والاتهام بالزندقة.. وبين قصائده السياسية المشاكسة، التي أعاد فيها الاعتبار إلى فن الهجاء بكل ما تعنيه هذه الكلمة. وقد سببت له تلك القصائد الكثير من المشاكل والهجوم من العديد من الأنظمة العربية.

ويشير محمود إلى أن أبرز ما يمكن أن يقال عن نزار، في ذكرى رحيله، أنه كان صاحب سطوة جماهيرية عارمة، تفرد بها وخاصة في حجم الإقبال على شراء دواوينه، وحضور أمسياته الشعرية. وعلى الرغم من كل ما قيل عنه، أو سيقال، إلا أنه يظل صاحب المفردة اليومية التي رفعها إلى مستوى الشعر. وحول أسلوبه يبين محمود أنه مدرسة تخرج منها الكثير من الشعراء، وهو بكل تأكيد شاعر البساطة، والعفوية، والرقة، والعذوبة..الذي تهافت المطربون على غناء قصائده وما زالوا يتهافتون.

وتستذكر الروائية والإعلامية ليلى الأطرش ما قاله نزار قباني:

 "لم أتناول العشاء أبدا

 على مائدة أي سلطان

 أو جنرال

 أو أمير

أو وزير

 إن حاستي السادسة كانت تنبئني دائما

 أن العشاء مع هؤلاء

سوف يكون العشاء الأخير" 

 لافتة إلى أن موقف المثقف من السلطة، يحسب لشاعر كسر القوالب الشعرية الجامدة منذ ديوانه الأول "قالت لي السمراء" في العام 1944 وحتى وفاته، وزادت: "مزق غلالات الحديث عن المرأة بصور شعرية حديثة وصاخبة وثائرة، وعمل كأفضل علاقات عامة لشعره وظهوره الجماهيري وأنشأ دار نشر خاصة له وصادق الكبار من الأدباء والفنانين وأعطى شعره ليغنوه فينتشر إلى حيث لا يصل الكتب مكانا وبشرا".

صار شاعراً ثائراً

 كما استذكرت مواقفه من السلطة الذي جاء بعد عشرين عاما من العمل الدبلوماسي في الخارجية السورية مشيرة إلى أنه: "كان ضمن رجال النظام ولا بد أنه قد تناول العشاء على موائد السلاطين حتى بدأت صحوته الفعلية فترك الحياة الدبلوماسية وصار شاعرا ثائرا. ولكن يحسب له أنه لم يشخصن قصائده فقد تغنى بالمدن ولكنه لم يمدح رئيسا أو زعيما أبدا ومثله كان الرحابنة وفيروز".

  وتطرقت الأطرش إلى "هوامش على دفتر النكسة" التي حمّلت الهزيمة لعبد الناصر دون أن يذكر اسمه بعد هزيمة حزيران، معتبرة أنه تمثل تماما ما قاله كل عربي، مثقف او رجل شارع، مبينة أنه حين علم أن الرئيس عبد الناصر غاضب منه كتب إليه رسالة اعتذار وتوضيح.

 وأشارت الأطرش إلى اللقاء المطول الذي أجرته معه، وكيف أنه أنكر أنه كتب رسالة لعبد الناصر، وتحت إصرارها على مواجهته بها تضايق وتململ وفكر بالانسحاب من الاستوديو ولكنه تمرس كدبلوماسي فكظم غيظه وأكمل متجهما.

 وترى الأطرش أن "قصائد نزار قباني عكست دائما الشعور العام ونبض الشارع السياسي العربي، بدءا من "خبز وحشيش وقمر" وحتى

" المهرولون" وبلغة راقية وصورة شعرية متفردة لهذا استقطبت الجماهير حولها، أما العاطفية منها فهي تصور الحب بطريقة يجد أي عاشق ضالته فيها ولهذا لم تخل رسالة حب عربية من كلمات هذا الشاعر. ولكن كثيرا من قصائده صورت المرأة كدمية ووسيلة حب للرجل".

 ولفتت إلى ما كشفه نزار نفسه في " قصتي مع الشعر" حول انتحار أخته من أجل الحب كان دافعه الإيجابي والسلبي لما ظهر في شعره "فنزار من جيل لم يكن الحب مسموحا به مهما كان نوع هذا الحب، وكشفه للقصة قبل موته بقليل إنما يعكس ذهنية حريصة فلو ترك الأمر لغيره ليكشفها فلربما رواها بطريقة مختلفة وفسر إخفاءها بفضيحة أو خطيئة.

 لقد خرج معظم شعراء القصيدة الحديثة من عباءة نزار قباني، فرغم أن نازك الملائكة وبدر شاكر السياب سبقوه إلى ريادة القصيدة الحديثة إلا أنه كان الأكثر تجديدا واختلافا واستمرارا وتدفقا وهروبا عن موسيقى الشعر التقليدية. وهو بلا شك الأكثر تأثيرا في الأجيال العربية لأن شعره المغنى ما زال قادرا على الوصول إلى الشباب وإن تمايلوا معه، تماما كما أثر في أجيال آبائهم وإن انقسم كثيرون حول رؤيته للمرأة - داعية إلى تحريرها أم منمطا لدورها كأداة حب جميلة.

"جنايني" في صحراء الشوك

  من جهته يرى د. مصلح النجار أن نزار قباني "جنايني" في صحراء من الشوك، معتبراً أنه " لم يأخذ حقه ومكانته بين الشعراء العرب خلال مسيرة الشعر العربي الحديث، فمرة كان يرجم بتهمة لغته البرجوازية التي لا تهم جموع الجماهير العربية التي تعاني من الاستعمار والفقر والجهل ومرة كان يرمى بتهمة الزندقة لأن موضوعاته كانت خارجة على ما يراد لهذا الجمهور أن يهتم به". ويضيف النجار: " فإذا استجاب نزار بوصفه مواطناً عربياً للقضية العربية المركزية ألفينا النقاد يغضون أبصارهم عن ذلك كله بحجة أن ذلك الجانب هو اهتمام فرعي وليس أساسياً". ويزيد النجار "والحق أقول إن نزار قباني استطاع أن يكون قطعة المخمل في نسيج القصيدة العربية الحديثة وأنه قطعة القطيفة التي يهديها المواطنون العرب لحبيباتهم في المناسبات واستطاع أن يقول كلمته في القضايا العربية المهمة بلغة عجز الآخرون عن اجتراحها والسير في ظلالها ثمة عشرات من قصائد نزار قباني يطرق بعضها أسماعنا مغناة كل يوم يغنيها الكبار والصغار والمثقفون وغير المثقفين وإذا ما درس ناقد واع نتاجات نزار ألفاها حالات من التفوق الأدائي ولذا فإنني أحسب أنه كسب الحسنيين على هذا المستوى؛ الجمهور وصفوة النقاد المنصفين.

ويعد الكاتب رسمي أبو علي أن نزار قباني ظل لمدة خمسين سنة مضت من أبرز الشعراء العرب وكان يتمتع بنجومية فائقة لم ينازعه فيها سوى محمود درويش ربما. ويضيف: "نزار شاعر متفرد عشق الكلمات والصور وحتى أن لديه كتاباً بعنوان "الرسم بالكلمات" وقيل أيضاًَ أنه شاعر المرأة واختلف النقاد في كونه عاشقاً للمرأة ومحرضاً على تحريرها لكن نظرته إليها في كثير من القصائد كانت شرقية سلطانية وهي النظرة التي طالما هاجمها في قصائده". ويلفت أبو علي إلى الجانب التحريضي في شعر قباني يستحضر دائماً قصيدته "متى يعلنون وفاة العرب".

معجم خاص و شفافية عالية

ويرى القاص مفلح العدوان أن نزار قباني أثر تأثيراً مفصلياً على الشعر العربي الحديث ويضيف: " ما من شاعر من الشعراء إلا مرّ عبر كلمات نزار قباني خاصة في بداياته. و أعطى مواصفات جديدة للشعر وله معجمه الخاص به وله شفافيته العالية".

 ويلفت العدوان إلى الجزء السياسي من شعره والذي ترك أثرا مهما قربه من المتلقي وقد تأثر به شريحة كبيرة-من الصعب الوصول إليها- من المجتمع بكافة فئاته من مثقفين وكتاب ومن العامة أيضاً. ويبدو أن كلماته تؤثر على الحس الإنساني والقضايا القريبة من العاطفة، وهو يقدم الصورة العالية بأدوات بسيطة وقريبة وهذه هي الصلة الأقوى بينه وبين الشباب خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الحب والأنثى. كما قربته قضايا السياسة من النخبة، وقد قربته سلاسة شعره من الغناء، فمنذ الغناء القديم وحتى حديثاً كما في أغاني كاظم الساهر. ويزيد العدوان: " وجد المطربون في كتابته الكلمة الراقية والقريبة من المجتمع والقاعدة مما رفع رصيد قباني، فهو خدم الغناء، والأغنية خدمته أيضاً.

 وخلص العدوان إلى ان نزار قباني استطاع أن يغني شريحة كبيرة من المجتمع العربي من خلال تنوعه وديناميكيته الشعرية، مبيناً أن الشعر العربي خسر الكثير بغيابه وقد كان يمكن أن يقدم أكثر.

ويقول الروائي هاشم غرايبة أن: "نزار قباني كان ابن مرحلته وابن عصره، فقد كان جيل السبعينات مهتماً بشعره ويحفظه غيباً، ونستطيع أن نقول أن كثيرا من العلاقات الإنسانية الجميلة والعاطفية تمت عبر نتاج وشعر نزار قباني وكثير من الشباب أغروا الصبايا كما أن الكثير من الصبايا أغووا الشباب من خلال شعر نزار. ويستذكر غرايبة أول  لقاء له مع نزار قباني والذي كان من خلال ديوانه "قالت لي السمراء" ويضيف غرايبة" وجدته عند شخص كبير في السن، فاختلست النظر إليه وقد كان من الكتب الممنوعة على الأطفال، فسحب ذلك الشخص الكتاب من يدي وقد كان مستاء لأني ما زلت صغيراً على قراءة نزار قباني لكني تابعت دواوينه فيما بعد. كان نزار وفيروز وعبد الحليم يشكلون وجداننا في جانب من الجوانب، وكان له حضوره وتأثيره في الجانب السياسي، لافتاً إلى أن محمود درويش واحمد فؤاد نجم ومظفر النواب كان لهم الحضور الأكبر في هذا الجانب.

التعليق