سارتر: حرية الإنسان مطلقة

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2006. 09:00 صباحاً
  • سارتر: حرية الإنسان مطلقة

26 عاما على رحيل صاحب الفلسفة الوجودية ورافض "نوبل" للآداب

 

عمان-الغد- ولد جان بول سارتر في مدينة باريس في الواحد والعشرين من حزيران في العام 1905 ولعل أبرز ما يميز سارتر هو طرحه لنظرية "الوجودية" وارتباطه وأفكاره بشكل توأمي كأنه ونظريته وجهان لعملة واحدة فالوجودية هي جان بول سارتر وجان بول سارتر هو الوجودية.

ويرى رئيس جامعة الاميرة سمية للعلوم والتكنولوجيا د.هشام غصيب وهو المشتغل بالفلسفة ان على الراغب بقراءة سارتر البدء بمحاضرته " الوجودية هي إنسانوية " واصفا اياها بانها نقطة انطلاق باتجاه دراسة وجودية سارتر باعتبارها ابسط ما كتب في هذه الفلسفة".

ويضيف غصيب" لقد استطاع سارتر في روايته "الغثيان" التي صدرت قبيل الحرب العالمية الثانية ان يطرح بعض الامثلة الواضحة على تسخير القلم لمصلحة الفلسفة".

ويلفت غصيب الى ان سارتر انتج قصصا فلسفية جديدة من نوعها مبينا ان الفلسفة في رواية"الغثيان" ليست افكارا بقدر ما هي تجارب حياتية تدور في ذهن ويوميات بطل الرواية.

ويقول غصيب" للأسف في نهاية حياته شجب سارتر ما كتبه في رواية "الغثيان" رغم ان هذا الشجب لم يؤخذ به كونها تعكس اصالته وزبدة فلسفته " منوها "سارتر ليس فيلسوفا سهلا بل هو صعب جدا على متلقيه" وحول تأثيره على الفكر العربي يعتبر غصيب ان الوجودية اثرت وبشكل جذري على الفكر العربي ككل مشيرا الى محاضرته الشهيرة التي قدمها في القاهرة بدعوة من مثقفي مصر في الستينيات منوها ايضا بدور اهم المفكرين الوجوديين العرب" عبد الرحمن بدوي" واصفا اياه بانه ابتكر ولم ينقل عن سارتر بل كان له دور مساهم في الفلسفة الوجودية العربية.

وتقوم  فلسفة سارتر أساسا على نظرة إلى الإنسان الفرد الذي ترى ان وجوده هو أهم صفاته، وانه غاية بذاته، ولا أهداف ماورائية لوجوده بل هو الذي يحدد أهدافه بنفسه.

وفي السياق ذاته يعزو غصيب انحسار الوجودية في السبعينيات الى تراجعها في العالم كله بعد ان حلت البنيوية محلها ومن ثم مراحل الحداثة وما بعد الحداثة والمدارس الجديدة.

اما عربيا فيرى ان" الاغلبية اتجهت الى التركيز على العلاقة مع تراث سارتر اكثر من الوجودية نفسها".

 وتشير السيرة الذاتية لسارتر انه نشأ يتيما حيث توفي والده الذي كان ضابطاً في الجيش الفرنسي وعمره ثمانية اشهر ليفقد العنصر الابوي في حياته، ما يفسر تعلقه الشديد بأمه.

كما تشير الى اضطراب حياته حينما رحلت امه الى باريس للعيش مع أبويها وكانت جدته هي الشخصية المسيطرة على حياتهما آنذاك ما أصاب تقديسه لأمه بالصدع اذ كان ينظر اليها باعتبارها آلهة، وليس من اليسير عليه ان يرى هذه الآلهة تحيا على رحمة الجدة وعطفها.

بيد أن حنان أمه كان اكبر تعويض له على قسوة الحياة التي يحياها، إذ كان الموضوع الوحيد لحبها نتيجة يتمه واعتلال صحته فقد ظفر سارتر في طفولته بأكثر من نصيبه من الحب والحنان.

وحينما تزوجت أمه للمرة الثانية وكان في الحادية عشرة من عمره صدم بقوة، وبهذا الزواج فتح جرحه الأول ما أدى بسارتر الى انكار العديد من القيم القائمة، وتحطيم القيود وانكار الحب والأمومة والكثير من العواطف الانسانية التي تربط الانسان بالآخر.

في هذه المرحلة كان سارتر طالباً مجتهداً شغوفاً بالقراءة والاطلاع غريباً في اختياره للكتب التي يقرأها، فبينما كان أقرانه يقبلون على قراءة اندريه جيد وجيروود كان يلتهم مؤلفات فارير وأناتول فرانس. كما عشق ادب بروست وفاليري وآلان.

ومنذ صباه المبكر كان يكتب قصصاً خيالية ومقالات فلسفية متعددة ويستغرق في الكتابة إضافة إلى سرعته وخصوبة أفكاره ما أثار الحسد والغيرة في نفوس أقرانه، والذي ترك أثره بنفسه بدوره.

 عقب تخرجه أمضى سنوات تجنيده في تدريس الفلسفة في مدرسة "باستير" بباريس، وبدأت مجلة "أوروبا" تنشر مقالاته في العام 1927، وكانت أهم مقالاته التي نشرها حينذاك عن فرنسوا مورياك والتي خالف فيها النقاد جميعاً.

أنشأ سارتر مجلة العصور الحديثة ضاما اليه رفيقة حياته سيمون دي بوفوار، وأصدقاءه موريس ميرلوبونتي وجان جرنييه وجورج باناي وغيرهم وفي العام 1946 زار سارتر الولايات المتحدة وكندا.

نال جائزة نوبل في العام 1964 لكنه رفض تسلمها.

أكد سارتر  ان حرية الإنسان مطلقة ولا حدود لها ما يفسر اعتبار العديدين اليوم أن سارتر كان آخر مثقفي اليسار العظام عقب غلبة الرأسمالية ونفيها إمكانية وجود فرد يتمتع بالتفرغ والاستقلال كالذي تمتع به سارتر.

تنوعت حياة سارتر بين ماركسي متعصب، إلى أسير في يد النازيين، ثم فيلسوف الحرية والقطيعة التامة مع الشيوعية، ليشق طريقه مع صديقته سيمون دي بوفوار التي كانت حب حياته فقد ارتبط اسم الاثنين لسنوات طويلة فلا يذكر الاسم الأول بمعزل عن الاسم الثاني.

كانا يكتبان معا ويعيشان معا ويجلسان الى طاولة واحدة لا تزال تحمل اسميهما في مقهى"لي دوماغو" في حي"السان جرمان ديبري" القريب من منزل سارتر ومعاً أيضاً كانا يشكلان جزءاً من السجلات الساخنة التي عرفتها العاصمة الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين في المجالات الفلسفية والاجتماعية السياسية.

وصف سارتر بأنه أكثر فلاسفة القرن العشرين غزارة في الإنتاج، إذ كان يكتب يوميا لمدة ست ساعات، وكتب حتى عمي، وناضل حتى مات، ولم ينشر كل ما كتب.

نشر كتابه الوجودية تعني الإنسانية في أكتوبر من العام 1945 وهو الذي أحدث صدى هائلاً في أنحاء العالم، وكتب الوجود والعدم والعديد من الروايات، كما ألف في نقد العقل الجدلي وألف ثلاثة آلاف صفحة في دراسة فلوبير عن أحمق العائلة.

ويؤكد غصيب على اهمية كتاب "الوجود والعدم" الذي ركز فيه سارتر على ان الانسان حرية مطلقة عقب ان طور فلسفة هايدغر بأسلوب مبتكر مما شكل نقلة نوعية في مسيرة الفلسفة الاوروبية والعالمية.

كما يؤكد غصيب على دور سارتر الكبير في بلورة الفلسفة الماركسية التي انتقدها بشكل متعاطف وبكثير من المنطق خصوصا في للستالينيين معتبرا ان اثره على الفلسفة كان ايجابيا.

كان سارتر مزيجاً عجيبا للناس يتأملونه بين الإعجاب والدهشة والرعب والكراهية، وقد أثارت الفلسفة الوجودية عند سارتر موضع هجوم الأغلبية، وكان مكروها ممقوتا موصوفا بالإلحاد بينما يتحاشاه الناس حين يدخل مقهاه المفضل الفلور في سانت جيرمان في باريس.

وتعرض سارتر لمحاولتي قتل عبر إلقاء القنابل عليه ولكنه نجا من كلتيهما، ورغم هذه المحاولات والمضايقات التي تعرض لها في حياته يعتبر الفرنسيون اليوم سارتر كنزا وطنيا.

وقامت المكتبة الوطنية الفرنسية بتكريس ذكريات سارتر وأعماله حسب مراحل حياته بما فيها بعض المخطوطات التي لم تنشر.

ظهرت إلى الضوء أيضا ضمن تقارير جاسوسة روسية حسناء كانت عشيقة فراشه لفترة في حياته كلفها الروس بنقل كل شيء عنه واعتبرت هذه الأخبار موجعة ومن نصوص التابوهات التي تعرض ما كتب تحت عنوان "العاهرة الشريفة".

كما صدر مؤخرا كتاب جديد بعنوان "المراسلات المتقاطعة بين سيمون دوبوفوار وجاك لوران بوست"  عن دار "غاليمار" الباريسية ويتمحور حول قصة العشق السرية التي عاشتها سيمون دوبوفوار مع طالب سارتر جاك لوران بوست وكان له من العمر 22 عاماً وهو كان أحد تلامذة جان بول سارتر أما سيمون فكانت وقتذاك في التاسعة والعشرين.

ودارت فصول هذه القصة عشية الحرب العالمية الثانية في الفترة الممتدة من 1937 إلى 1940 في ذلك الحين كانت سيمون دوبوفوار أستاذة الفلسفة في ثانوية موليير في باريس وكان معروفا أنها عشيقة سارتر وتقيم معه منذ ثماني سنوات.

جمعت بين جاك لوران وسيمون هواية مشتركة هي ممارسة رياضة المشي في الهواء الطلق ووسط الطبيعة وكان تجوالهما معاً يمتد ساعات طويلة عبر الغابات بعيداً من مدينة باريس.

تقول في احدى مراسلاتها "لقد أقمت مع بوست الصغير علاقة جنسية وكنت صاحبة المبادرة فيها وعوض أن تظل هذه العلاقة مجرد علاقة عابرة أو كما نظر إليها جان بول سارتر على أنها (قصص تشبه الربيع العابرة) استمرت عبر المراسلات المتبادلة طوال ثمانية أعوام كاملة".

ورغم ارتباط جاك لوران بوست بعلاقة مع أولغا كوزاكويتش، فكانت هذه الأخيرة حاضرة في كتابات سيمون دوبوفوار ويطالعنا اسمها في روايتها "الضيف"، ولاحقاً في سيرتها الذاتية التي نشرت بداية التسعينيات من القرن الفائت وهي حاضرة أيضاً في كتابات جان بول سارتر في كتابه "مرحلة التعقل".

ومن الجدير بالذكر ان الصورة الأخيرة لجان بول سارتر في الثقافة العربية هو ما رواه إدوارد سعيد عن اللقاء الذي تم بين المثقفين العرب والإسرائيليين في شقة ميشال فوكو، فقد وقع سارتر في شيخوخته تحت قبضة سكرتير يهودي غريب الأطوار.

وقد سرد ادوارد سعيد الحالة المزرية التي صار بها سارتر في نهاية عمره وخضوعه التام لشخص غريب الأطوار يدعى بيار فيكتور وهو الاسم المستعار لبيني ليفي اليهودي المصري الذي تزعم تياراً طلابياً يدعى اليسار البروليتاري أثناء انتفاضة 1968.

وهو خضوع يلتقي مع  قول غصيب الذي اشار فيه الى سارتر والقضية الفلسطينية مؤكدا على ان رؤيته لسارتر تختلف عما خرج به الكثيرون " فهو يشك بميله الصهيوني" معتبرا انه " لم يكن منصفا مع القضية الفلسطينية بصفته واحدا من اهم مفكري العالم" .

وبحسب رواية ادوارد سعيد فقد هيمن بيني ليفي على سارتر في أواخر أيامه وأحكم سيطرته عليه فارضا شروطا على لقاءاته حتى مع أقرب اصدقائه، وقد نشر سلسلة من الحوارات المطولة معه، ظهر فيها هذا الأخير بصيغة مناقضة كلية لأفكاره ولوجوديته ولإرثه الفلسفي، نشرتها اسبوعية لونوفيل أوبسيرفاتور.

وأثارت هذه الحوارات حينها ضجة كبيرة دفعت بسيمون دو بوفوار الى الاحتجاج واتهام بيني ليفي بالاستحواذ المطلق على سارتر "الصورة الأخيرة لسارتر مخزية للوجوديين العرب، فسارتر يهذي ويرى بصعوبة وحين يأكل يتساقط الأكل على قميصه".

التعليق