معرض التشكيلي الراوي "ذكريات للحب أثيرة": هذيان المسافة بين اللون والكلمة

تم نشره في الثلاثاء 14 آذار / مارس 2006. 09:00 صباحاً
  • معرض التشكيلي الراوي "ذكريات للحب أثيرة": هذيان المسافة بين اللون والكلمة

يتواصل في جاليري الاورفلي حتى 28 الشهر الحالي

 

محمد جميل خضر

   عمّان- التنويع التقني والاحتفاء بالرمز والبحث عن نقطة تقاطع بين اللون والكلمة كانت عناوين رئيسية في اعمال الفنان العراقي نوري الراوي التي تضمنها معرضه الذي افتتح اول من امس في جاليري الاورفلي.

وامتدادا لتجربته التي تعود جذورها الى اربعينيات القرن الماضي لا يلزم الراوي نفسه بأسلوبية معينة او انواع لونية بعينها,وينتقل في اعمال معرضه "ذكريات للحب اثيرة" الذي افتتحه السفير العراقي في عمان عطا عبدالوهاب بين الاعمال الكولاجية والزيتية والمائية والمشغولة بالاكليريك او المواد المختلفة.

   وينشد الراوي المولود العام 1925 في اعماله الفنية شكلا من اشكال التقاطع الابداعي بين اللون وخطوط اللوحة المتناسلة بزوايا وتعابير لا حد لها وبين مرجعيات الصورة الشعرية,ومحمولها اللفظي والدلالي.

   وعبر 48 لوحة تضمنها معرضه الذي يتواصل حتى 28 الشهر الحالي يقدم الراوي الحاصل العام 1941 على اجازة تعليم من دار المعلمين في بغداد مفاصل مهمة من تجربته الممتدة ،مركزا على اعماله المنجزة بعد العام 2000 مع وجود لوحة تحمل عنوان "صبا" منجزة العام 1970 ،فيما يبدو انها اشارة من الفنان على خصوصية ما تجمع بينه وبين تلك اللوحة.

   واعتمد الراوي في معرضه الشخصي الرابع عشر على فكرة تضمين بعض اعماله مقاطع شعرية له او لنزار قباني او العراقية مي مظفر.

وفي لوحة "آهة الزمان" خطط الراوي بالحبر المقطع التالي:

"ربما ضل قلبي الخطى

فاستدار

حول نبع التي ظنها المنتهى

صار كل الذي تبتغين

وابتغاه

محض آه"

   وشكل التضمين الشعري في اعمال الراوي الذي تبوأ العديد من المناصب الادارية المتعلقة بالفنون التشكيلية في العراق علاوة على نيله عددا من الجوائز محاولة لخلق مقاربة جمالية,وهو الى ذلك فتح باب افق جديد امام دلالات اللوحة وامكانياتها التعبيرية والرمزية والاشارية,وهو ما يظهر واضحا في لوحته "واحة الالوان" التي نثر في فضائها المقطع التالي:

"لا تخف الوردة

سوف يشم الناس شذاها

وبروق الوعد بريقا في عينيك

فلا تكتم سرا

اوراقك تمطر اسرارا"

   ويشف التراكم اللوني والتسلسل البنائي في اللوحة السالفة الذكر عن شيء ما دون من شعر فوقها.

وظهر في اعمال الراوي الاخيرة ميله الى التعانق مع شفافية الزجاج خصوصا في عملية "الماضي المنسي" و"اطلالة الضوء" التي تكشف تجريدية صوفية تحتفي ببعض اشكال الزخرفة العربية الاسلامية,وتقيم حوارا جماليا لونيا تأمليا عميق الدلالات مع مفردات هذه الزخرفة ومع اشارات التصوف ومراحله وهو ما فعله الراوي الذي نال في العام 1998 لقب رائد تشكيلي في كثير من لوحات معرضه الجديد,خصوصا الاخيرة منها: "النشوة الازلية", "تسابيح", "الرؤية الخيالية", "وجد", "معارج وتجليات", "بهاء", "لوعة" وغيرها.

   وتمتاز حيوات الراوي ومخلوقاته المتناثرة في اعماله بانصهارها داخل النسيج الكلياني للعمل,وانخراطها في المنسوب الرؤيوي التجريدي له,من دون محاولات جادة منه لاظهار ملامح الوجوه البشرية او باقي تفاصيل اجسادها في اللوحات المحتفي كثير منها بالقباب,والبيوت المتسلسلة فوق المنحدرات بما يشبه ذاكرة الوقت وحواف التأمل,وتشييد حساسية خاصة مع المكان بوصفه قبلة انشطار ثاويا في تلافيف الروح, وبوصفه طاقة لا متناهية على توليد اللون او اختزاله او تخليصه من مرجعياته التقليدية.

   ينطلق الراوي في مشروعه التشكيلي خصوصا معرضه المقام حاليا في جاليري الاورفلي من نقطة مفترضة في الذهن,ويتوزع معها في آفاق رمزية مرتدا في مرحلة من مراحل التطواف الى فضاء الداخل.

واضافة الى مساعيه التجريدية على صعيد اللون والبناء التصميمي الدلالي للوحة,يتبنى الراوي في كثير من اعماله فعلا ايمائيا ممتدا في النفس والمدى,ومستنهضا قوة ذاكرة لا يغيب عنها ضوء الروح وتحرسها في رحلتها الاستكشافية المثيرة بلورات شعر أثيري مثل لون الزجاج, وترانيم عود وتباريج ناي ومواويل شجن ووجع عراقي نبيل.

   ويصبح الحب عبر رسائل اللون والكتلة والفضاء,هو بداية السماء والرؤية التي تضم خبيئة الذات.

وتكشف السكينة في لحظة وجد عن اسرارها الكتيمة,وفي حالة من الطفو والغمر,يغدو المشهد المنظور,فعل كناية يداعب الانظار,ثم يغيب في تعقيبات حبر الزمن,من الفاتح الى الغامق,من الظلي الساكن الى المنور المتحرك,فيما يشف لون الطيف عن كليته السمائية ليختفي من بعد وراء احتراق من دون لهيب.

(تصوير: ساهر قدارة)

التعليق