السواح: الجزيرة العربية مهد اللغة السامية الأصلية

تم نشره في الأربعاء 8 آذار / مارس 2006. 09:00 صباحاً
  • السواح: الجزيرة العربية مهد اللغة السامية الأصلية

 في محاضرة له في منتدى شومان أول من أمس
 

 

زياد العناني

   عمان - قال الباحث في الميثولوجيا وتاريخ الاديان فراس السواح ان مصطلح السامية ظهر في اواخر القرن الثامن عشر على يد اللاهوتي النمساوي شلوتزر, وسرعان ما تم تبنيه من قبل الباحثين في لغات وحضارات المشرق العربي القديم, ليتضمن في شكله وفي تطويراته اللاحقة, ان لغات حضارات منطقة الهلال الخصيب هي فروع من لغة أم, هي اللغة السامية الاصلية, وان مهد هذه اللغة هو شبه الجزيرة العربية.

   واضاف السواح في محاضرته "الهجرات السامية من الجزيرة العربية بين النظريات القديمة والواقع التاريخي" التي نظمتها مؤسسة عبدالحميد شومان اول من امس في مقر المنتدى وادارها د. علي محافظة ان اللغة السامية انتشرت في وادي الرافدين وفي سورية عن طريق تحركات بشرية واسعة, حملت العنصر السامي واللغة السامية خارج شبه الجزيرة العربية, ودعيت بالهجرات السامية الكبرى, وبعد صياغة هذه النظرية "او الفرضية كما افضل تسميتها", ساعد فك رموز الكتابة المسمارية على تدعيمها وتأييدها, ذلك ان دراسة ومقارنة اللغات الاكادية والبابلية والآشورية والعربية والعبرية, قد اظهرت مدى تقاربها في صيغ الاشتقاق والصرف, مبينا ان هذه اللغات تشترك في معظم جذور الافعال, وتقوم على الاشتقاق من الفعل الثلاثي الاحرف, وتتشابه فيها صيغ الصرف, اضافة الى تشابه الضمائر وعدد هائل من المفردات.

    وتطرق السواح الى تاريخ  الهجرات واسماء الجماعات التي حملتها, لافتا الى ان اصحاب هذه النظرية يرون ان النصف الاول من الألف الثالث قبل الميلاد قد شهد خروج ثلاث موجات بشرية من الجزيرة العربية, اثنتان منها باتجاه وادي الرافدين, وهما الدرجة الاكادية التي استقرت في المنطقة الجنوبية وتمازجت مع العناصر السومرية هناك, والموجة الآشورية التي استقرت في المناطق الشمالية, وذلك من طوروس شمالا الى فلسطين وحدود مصر جنوبا, ومن البحر المتوسط غربا الى نهر الفرات شرقا.

   ولفت السواح الى اواخر الألف الثالث قبل الميلاد حين خرجت الهجرة الآمورية التي استقرت في بادية الشام, مشيرا الى انها انقسمت فرعين, فرع واصل طريقة نحو وادي الرافدين واسس الدولة البابلية القديمة, وفرع استقر في مناطق حوض الفرات والخابور ومناطق سورية الداخلية وشكل الممالك الامورية التي ازدهرت في مطلع الالف الثاني قبل الميلاد, وحوالي منتصف الالف الثاني قبل الميلاد انتشر الاراميون في مناطق حوض الخابور والفرات وسورية الداخلية, ورحل الفرع الكلداني منهم الى وادي الرافدين خلال النصف الاول من الالف الاول قبل الميلاد واسس الدولة البابلية الحديثة هناك.

   وأكد السواح على ان المنهج الذي يجب استخدامه في دراسة مسألة الهجرات السامية هو دراسة كل ثقافة من ثقافات المنطقة على حدة, والتفتيش عن اصولها وعلاقاتها مع الثقافات الاخرى, مبتدئين بأقدم نقطة في الزمن يمكن للوثائق الاركيولوجية او الكتابية اعطائنا معلومات وافية عنها, وذلك من اجل رصد كل التغيرات الثقافية والديمغرافية والسياسية ذات الصلة بموضوع الهجرات السامية.

   واعتبر السواح ان الاستقصاء لتاريخ الحضارة في منطقة الهلال الخصيب قبل الهجرات السامية المفترضة, يمكن ان يجعلنا نبدأ من اي نقطة في الزمن الاقدم صعودا الى عصر الانسان النياندرتالي المشرقي الذي عاش هنا قبل حوالي سبعين الف سنة, او نتجاوزه الى ابعد من ذلك, الا ان نقطة البداية المنطقية بالنسبة لبحثنا لن تتجاوز مطلع الالف الثامن قبل الميلاد, وهو التاريخ التقريبي لاستهلال العصر النيوليتي, "العصر الحجري الحديث", فمنذ ذلك التاريخ سارت الثقافة الانسانية في اضطراد وتتابع لا فجوات فيه ولا انقطاع وصولا الى العصور الحديثة.

   وركز السواح على تاريخ الحضارة التي تسود العالم اليوم مع ابتداء العصر النيوليتي في المشرق العربي القديم, وعلى الخصوص في بلاد الشام التي عثر المنقبون فيها على اولى المواقع الممثلة لذلك العصر, ونموذجها موقع اريحا لافتا الى الالف السادس قبل الميلاد وبداية معالم ثقافات متمايزة بالتوضح داخل الثقافة النيوليتية ذات الخصائص العامة, فظهرت مثل ثقافة حسونة وثقافة سامراء و ثقافة حلف, مشيرا الى ان علماء الآثار قد ميزوا بين هذه الثقافات اعتمادا على انماط صناعة الفخار واساليب التزيين المطبقة على المصنوعات الفخارية.

   وتوقف السواح عند ثقافة سامراء التي عاشت خلال الثلث الاخير من الالف السادس قبل الميلاد, وتعاصرت مع الفترة الاخيرة لثقافة حسونة .

كما توقف عند ثقافة حلف التي عاشت خلال الفترة الممتدة من اواسط الالف السادس قبل الميلاد الى اواسط الالف الخامس 5500 - 4800 م وشملت منطقة جغرافية واسعة جدا امتدت من شمال وشرق بلاد الرافدين الى البحر المتوسط, ومن الاناضول الى اوسط سورية وكانت مناطق الشمال السوري بمثابة قلب هذه الثقافة, استمدت ثقافة حلف اسمها من موقع تل حلف قرب بلدة رأس العين عند منابع نهر الخابور .

   وأكد السواح على ان مسرح الهجرات السامية في الهلال الخصيب لم يكن خاليا من الناحية الثقافية والديموغرافية في انتظار الهجرات السامية من جزيرة العرب فقد اضطرمت هذه المنطقة باول ثورة ثقافية في تاريخ البشرية ثم حفلت بثقافات تلاقحت وتعاونت على تهيئة الاساس المادي للثورة الثقافية الثانية في تاريخ البشرية, الا وهي الثورة المدينية التي قامت في وادي الرافدين الادنى وادت الى تشكيل اولى المدن في التاريخ.

 وحول مسرح الهجرة الاكاديمية

   وعن اصول التحضر في جنوب وادي الرافدين قال السواح ان الاستيطان وادي الرافدين تأخر ببلاد سومر عن استيطان وادي الرافدين الاعلى, فبينما نجد الحضارة الزراعية تتوطد في الجزء الاعلى منذ الالف السابع قبل الميلاد بتأثيرات واضحة من سورية الداخلية فان بدايات الاستقرار لازراعي في الجنوب لا تظهر الا في نهاية الالف السادس قبل الميلاد , فمنذ حوالي عام 5300 ق.م تبدأ بالظهور هنا مواقع الثقافة المعروفة بالثقافة العبيدية او ثقافة العبيد قائمة على التربة العذراء دون مستويات اركيولوجية سابقة عليها , وقد استمرت الطبقات الاثرية اللاحقة تعطينا ادوات وفخاريات ذات طابع عبيدي حتى عام 3600 ق.م عندما بدأت تحل محلها ادوات وفخاريات تنتمي الى ثقافة اخرى دعيت ثقافة اوروك, وعلى الرغم من ان الثقافة العبيدية قد اتخذت اسمها من اول مواقعها المعروفة وهو تل العبيد الا ان اهم مواقعها كان بلدة اريدو والتي كانت تقوم على الخليج العربي في ذلك الوقت.

التعليق