رمت بجسدها الغض امام دبابة اسرائيلية لترفد موقفها المدافع عن حقوق الانسان

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً
  • رمت بجسدها الغض امام دبابة اسرائيلية لترفد موقفها المدافع عن حقوق الانسان

 استلهام مأساة الناشطة الأميركية راشيل كوري" في رواية للشاعر هارون هاشم


   عمّان - الغد- إن كان مسرح رويال كورت اللندني الواقع في ساحة سلون سكوير احتفى في نيسان (إبريل) الماضي بالناشطة الأميركية راشيل كوري، فإن الموت الأسطوري الذي قضت من خلاله ما يزال يلهب مخيلة الأدباء، ويحفز أقلامهم على استلهام مأثرة ناشطة لم تتجاوز الثالثة والعشرين رمت بجسدها أمام دبابة إسرائيلية كي ترفد موقفها الشعاري المدافع عن حقوق الإنسان بجهد مادي كان ثمنه جسداً غضاً هرسته جنازير معدنية كانت في طريقها لهدم منزل عائلة فلسطينية في مدينة رفح يوم الأحد 16 آذار (مارس) في العام 2003. المسرحية اللندنية حملت عنوان "اسمي راشيل كوري" وقامت ببطولتها الممثلة ميغان دودز وأخرجها الممثل المسرحي والسينمائي المعروف آلان ريكمان. وقد ساعدته في تحويل أوراق ومذكرات كوري الخاصة إلى مسرحية الصحافية في صحيفة (الغارديان) كاثرين فاينر. وتدور حبكة المسرحية حول الأسباب التي دفعت فتاة أميركية إلى ترك منزلها وتعريض حياتها للخطر في إحدى أخطر مناطق الشرق الأوسط.

   وأحس شاعر كهارون هاشم رشيد بأن الأبعاد التي حملها موت راشيل أكثر وأعمق مما تحتملها القصيدة، فراح وهو الشاعر الفلسطيني الفطري المطبوع نحو الرواية كي يسكب فوق سطورها معاناته وهو يحدق في راشيل كوري "حمامة أولمبيا" كما سمّاها، وكما وسمَ روايته الصادرة أخيراً عند دار مجدلاوي الأردنية.

جاءت الرواية في 182 صفحة من القطع المتوسط، بالإضافة إلى ملحق بالإنجليزية لرسائل راشيل. كما تضمنت قصائد لشعراء عالميين رثوا "حمامة السلام" كما يصفها رشيد الذي صاغ في الشهيدة قصيدة قال فيها: "(راشيل).." من بعيد أقبلت

 تعبر المحيط

من بلاد (العم سام)

 كأنها مريم..

 منْ جديد أقبلتْ

 لبيت لحم..

 تقرع الأجراس..

 تقرأ السلام

 أتت إلى أرض المسيح

 في يمينها غصن زيتون..

 وفي شمالها حمام..

 تهتف للسلام.. تصرخ للسلام..

 تموت للسلام".

   ويصف هارون هاشم رشيد قرار راشيل كوري الانخراط في فريق التضامن الدولي الذي يعمل لحماية الشعب الفلسطيني بأنه "قرار رهيب، وتوجه خطير، وطريق غامض، ومستقبل مجهول".

وتعرض الرواية الحوار الذي دار بين راشيل ووالديها عشية اتخاذها قراراها المصيري. "كان الوالدان يصغيان لراشيل بمشاعر مختلطة بين الخوف عليها، والاعتزاز بما تقوله وما أقدمت عليه".

وتتابع الرواية مسار رحلة راشيل من الولايات المتحدة إلى فلسطين. وتصف كيف خاب ظن الناشطة الأميركية عندما "نزلت أرض المطار واستقبلتها السلطات الإسرائيلية بالإجراءات البوليسية التعسفية، والمضايقات والاستفزازات، فور ما عرفت أنها واحدة من الناشطات الأميركيات المتضامنات مع الشعب الفلسطيني". كما تظهر كيف قامت "مجندة إسرائيلية صلفة ضخمة مقطبة الجبين، يرشح من عينيها غضب غير مبرر، بتفتيش راشيل من رأسها إلى قدميها، بعد أن جردتها من ملابسها".

   وأثناء إقامتها في مدينة رفح الفلسطينية تتعرض راشيل لمجموعة من المواقف التي تكشف وحشية الاحتلال الإسرائيلي الذي يقصف بيوت الآمنين بطائرات الأباتشي. وتحاول راشيل بحسب أحداث الرواية أن تنقل وقائع أيامها في فلسطين إلى أهلها وأصدقائها من خلال رسائل بالبريد الإلكتروني.

وتنشئ الرواية سياقا حدثيا لسرد وقائعها بحيث تتآزر الواقعة المباشرة مع فضاء تخييلي راح الكاتب يدشنه مستعيرا وقائع حقيقية، وداغما إياها في سياق متخيل مع تحوط في استخدام الأسماء مباشرة وخصوصا ما يتصل بأسماء شخصيات العمل.على أنه لا يتحوط عندما يتصل الأمر بذكر أسماء صديقات راشيل وأصدقائها الذي يردون بأسمائهم وأوصافهم الحقيقية.

   ولعل أكثر ما يميز (حمامة أولمبيا) هو رغبتها في إنجاز رواية وقائعية تقريرية تقيم وشيجة بين الوثيقة وذاكرتها التاريخية من جهة، وبين الأدب بصفته حاملاً لتلك الأفكار ومجالا حيويا لالتحامها وانصهارها. بيد أن ذلك لم يتحقق على النحو المتكامل في الرواية التي أسهبت في وقائعيتها، وغرقت في الرومانسية الموجهة. أي أنها نحت باتجاه الإيديولوجيا والمواقف المسبقة من فكرة الصراع العربي الإسرائيلي، وتبنت رؤى عقائدية ونمطية في الوقت نفسه لجهة تأبيد الصورة القارّه في أذهان بعضهم للإسرائيلي والخصوم بشكل عام.

   على أن ذلك لا يخفي جماليات وصف اللحظة التراجيدية الأخيرة من حياة راشيل كوري وهي تتحدى بلدوزر الاحتلال الإسرائيلي وتمنعه بجسدها من هدم بيوت الفلسطينيين في رفح، فيدوس بجنازيره المعدنية عظامها ويتركها تحت أنقاضه وهي في النزع الأخير. لحظة ذاك "كل شيء تغير، السماء اكفهرت، تلبدت بالغيوم، تسربلت بالسواد، الشمس غابت، اختفت، كأنما خزيت، أو حزنت، أو هالها ما يجري على أرض السلام.. في حي السلام.. في رفح ، في فلسطين".

التعليق