هاني الراهب يرسم خطا في الرمال ويتنبأ بالوباء

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً
  • هاني الراهب يرسم خطا في الرمال ويتنبأ بالوباء

في الذكرى السادسة لرحيله 

 

   عمان-الغد- ولد هاني الراهب في قرية مشقيتا (اللاذقية) في العام 1939، درس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه من بريطانيا وكان عنوان رسالته (الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي) درّس لسنوات طويلة في جامعة دمشق، ثم سافر الراهب الى اليمن والكويت، عاد الى دمشق وتوفي فيها اثر مرض عضال أصابه (6 شباط العام 2000)، كتب الرواية والقصة والنقد الأدبي، له ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية صدرت آخرها بعيد رحيله وعدد من الكتب المترجمة، نال في العام 1961 جائزة مجلة الآداب اللبنانية وفي العام 1981 نال جائزة اتحاد الكتاب العرب عن روايته المميزة "الوباء".

وله مخطوط رواية كما قال قبيل وفاته ولكن لا  أحد يدري إن كان بنية زوجته الإفراج عنها بحسب ما جاء في جريدة "المستقبل" اللبنانية.

   يقول الراهب في حوار معه: "ما دامت الرواية ظاهرة تكاد أن تكون حديثة العهد في تراثنا الأدبي، فينبغي أن يحتويها بناء لغوي وأسلوبي جديد" بعد روايته الأولى "المهزومون" قال الراهب: "خفت خوفا شديدا من الشهرة أن تؤثر على إجادتي لكتابة النص فرحت أعمل على تكثيف النص لغويا وبنيويا الى درجة أن الفصل الأول من روايتي الثانية (شرخ في تاريخ طويل) أخذ سبعة أشهر والرواية كلها استغرقت سبع سنين بدل شهر واحد، هذا هو قلق المبدع الحقيقي المسكون بالهواجس الحياتية والروائية والأسئلة الوجودية (فنحن سكان مدن الأسئلة)".

   تعد رواية "الوباء" للكاتب هاني الراهب من الأعمال الروائية التي تناولت فكرة الأرض من زاوية خاصة.. ألا وهي الأرض المعنى. فقد قدم الأرض من خلال تلك الأجيال المتوالية، جيلاً بعد جيل.. مختلفا ومتنوعا في الخصائص والملامح، ولا يثبت إلا الأرض المكان التي تحولت الى معنى. فالأرض تبدو جلية في بداية ونهاية الأحداث المتصارعة، وهي التي تكشف عن المتناقضات بين الأفراد (أفراد سلالة الشيخ السنديان). فالجد الأكبر "السنديان" نال مكانته الاجتماعية وسلطانه بسبب الأرض.. وعلى مدار قرنين، جيلاً بعد جيل تتوالى الأجيال والمصائر، وتعبر الأرض عن نفسها بل عن دورها عندما يموت الجد الأكبر وتبدأ عملية تقسيم الأرض.. حيث يبدأ الصراع، وتنكشف دخائل الناس؛ لتُكْشَف العيوب.. كل العيوب.

   تجسد "الوباء" فنيا التطورات السياسية والاجتماعية في سورية بعد العام 1963 وترصد التحولات الاجتماعية الكبيرة التي أصابت بعض الشرائح الريفية المنضوية تحت لواء العسكر والتي أصبح لها القول الفصل في السياسة.

استفادت روايته "ألف ليلة وليلتان" من التراث القصصي الشعبي، واللغة والتقنية الروائية التي كتبت بها الرواية وبنية السرد المميزة تؤكد على رغبة الراهب في التجريب والتجديد، فهي ذات طموح فني وتقني كبير للسيطرة على الحقيقة التاريخية، وحسب الروائي والناقد السوري نبيل سليمان: (يقترب أسلوب هاني الراهب في هذه الرواية من أسلوب الروائية الإنجليزية (جين اوستن).

   رواية "التلال" التي نشرت في العام 1989 في بيروت، رواية جديدة في بنائها الفني ورؤيتها للعمل الروائي، وهي تسقط من حساباتها الحوار وتستعيض عنه بالدلالات، فيها جرأة غير عادية، فهي تتناول عالمين متناقضين ظاهريا عالم الأسطورة والأحلام والرغبات والهواجس المولودة من عذابات المجتمع وقحله كما يصفها الروائي حسن حميد وفي الجانب الآخر هناك عالم التاريخ الواقعي تماما والمعروف، و"التلال" تهز الداخل الجواني عند القارئ وتحثه على التعامل معها بأكبر جدية ممكنة، إنها حفنة من التاريخ والواقع والأسطورة، غنية بإحساس كاتبها بأهمية النص الأدبي ودوره في الحياة، ففي (التلال) عدة أزمنة متداخلة يفجر بعضها الآخر، فهناك الزمن التاريخي المشار إليه مباشرة في الرواية (الحرب العالمية الأولى والثانية، والعام 1946) وهناك الزمن النفسي الذي يبدو جليا في العديد من شخصيات الرواية، وهناك الزمان الأسطوري(الذي تمثله فيضه) وهناك أيضا ما أسماه الراهب زمن اللازمان والذي يمثله الدراويش، وهي رواية تتكلم عن العرب، عن تجربة التقدم في تاريخ الأمة العربية المعاصر، وهي لا تخص قطرا عربيا دون آخر، وكمعادل روائي فقد وضع الراهب مكانا يتكون مما هو عام ومشترك، وكذلك أسماء الشخصيات والبلدان ذات الدلالة الخاصة والمستمدة من تاريخ المنطقة، وقد رأى الراهب في روايته هذه رهان حياته الأدبية، وكان يطمح أن تكون لها أجزاء لاحقة تكملها.

   روايته الأخيرة "رسمت خطا في الرمال" حققت قفزة نوعية في مسيرة الراهب الروائية ففيها تحول المجاز اللغوي الى مجاز بنائي تركيبي، ففيها يتداخل المحكي مع نصوص أخرى، في مزج التراث الشعبي مع الواقع الاجتماعي مع ثقافة الراوي وعصره والتي تنعكس جميعا في مستوى الكتابة، وفيها يرسم الراهب خارطة تراجيدية للواقع العربي وسط عالم يتفكك ويتقوض، وفيها يستخدم الروائي خيالا خارقا، ومع ذلك لا يمكن وصف الرواية بأنها خيالية أو فانتازية، فقد استطاع الراهب توظيف الفانتازيا توظيفا دقيقا لتكون خاضعة لعمل عقلي منظم شيد من خلاله البناء الروائي المحكم والمتنامي وحيث تتداخل العوالم الحكائية الخيالية ببعضها وتتداخل شخصياتها.

   فعالم الرواية هو عالم الدول العربية النفطية في لحظة حرجة وحاسمة من تاريخها وتاريخنا العربي بشكل عام، وهذه اللحظة هي بداية التسعينيات وحرب الخليج الثانية، وعنها يقول د. حسان عباس: (معمار الرواية الفسيفسائي وتجاوره للأصوات والأدوار وأنماط الكتابة يؤكد رغبة الراهب بكتابة رواية أصوات يرتفع فيها مستوى الحكاية من مستوى المشهدية الى مستوى المفهومية )، فعبر متاهات الرواية الدائرية يقارب الراهب سيرة أمة، ويرسم صورة قاتمة لحاضر لا يبعث على التفاؤل، وحيث الزمان يمتد عبر ألف عام وأكثر الشخصيات حرة في المكان، حرة في الزمان، ستبقى مشدودة الى الصحراء كل ذلك عبر سخرية لا تثير ابتسامنا بقدر ما تزيد إحساسنا بالألم والمرارة.

   إن داروين في الرواية لم يدرس تكاثر الطغاة وتسببهم في تقزم البشر أو تحولهم إلي عضويات دنيا، مما طرأ لهذه الشخصية الروائية، حين افتقد صلاح الدين الأيوبي بينما كانت جيوش إسرائيل تحاصر ثالث الحرمين الشريفين، والعسس والشرطة يأمرون محمد عربي محمدين بإخلاء الطريق، وغلصمة تنفث: هذا موكب الحجاج بن يوسف. كل سنة يمر من هنا في طريقه إلي زيارة الحرمين.

إن زماننا هذا أخيولة هاني الراهب المدهشة يضعها بين أيدينا في "رسمت خطا في الرمال".

التعليق