مسرحية الأطفال الفلسطينيين "حنين البحر" تفتح نفقا للحرية والأمل في جدار العزلة

تم نشره في السبت 18 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً
  • مسرحية الأطفال الفلسطينيين "حنين البحر" تفتح نفقا للحرية والأمل في جدار العزلة

يتواصل عرضها في مدارس ومؤسسات مختلفة حتى نهاية الشهر الحالي

 

محمد جميل خضر

عمان - التقت عناصر عديدة في الشكل والمضمون لتجعل من المسرحية الفلسطينية"حنين البحر" الموجهة بشكل رئيسي للاطفال عملا فنيا لافتا ومغايرا.

وحقق العمل الذي عرض مرتان اول من امس في مركز الحسين الثقافي مغايرته من خلال قوة اداء الممثلين فيه, وعمق الرؤية الاخراجية التي اعتمدت اساسا على فكرة السهل الممتنع, او البساطة الأخاذة, وفي تحليق مشهديته السينوغرافية في آفاق فذة بقليل من الديكورات والادوات والاكسسوارات والحيل, وبإضاءة عكست وعيا جماليا, وتفهما لاختلافات معايير التلقي بين الكبار والصغار, ولما يرتبط في ذاكرة الاطفال من مؤشرات للضوء والعتمة.

وفتح العرض المقدم من قبل مسرح الحارة نفق أمل في جدار الفصل العنصري, الذي اراد الاحتلال من خلاله عزل الفلسطينيين وحصارهم في اسباب معيشتهم وممكنات حياتهم, من دون ان يتورط الفعل المسرحي في العرض الذي اخرجته رائدة غزالة عن نص جماعي لفريق العمل بالخطابية المباشرة, او التحريض المتوتر البعيد عن اللغة الفنية المعتمدة اساسا على الإيحاء والدلالات الذكية, وتحفيز طاقة العقل على التأمل, وافساح المجال امام الروح بالتلقي الجمالي المتحقق في اطار من كوميديا الموقف.

وتعزيزا للتواصل بين اسرة العرض وجمهوره من الاطفال وعائلاتهم اجرى الممثلون قبل وبعد المسرحية حوارات مفتوحة ودردشة شفيفة بعيدة عن التعقيد والكلمات المركبة مع الحضور من صغار وكبار, وحضوهم على التفاعل مع مشاهد المسرحية, خصوصا من خلال ترديد اهزوجة العمل التي شكلت لازمة له "يلَّهْ عالبحر.. يلَّهْ عالبحر".

وتابعت احداث المسرحية رحلة حنين(رهام اسحق) التي ادت وفاة جدها الى حزنها وبحثها عن آفاق جديدة في الحياة, والى خوضها رحلة الوصول الى البحر, المكان الذي صار في العرض رمزا للوجهة الاخرى من الحياة, وعنوانا للأفق المفتوح على الحرية والمعرفة والدهشة والاكتشاف.

وفي طريقها الى البحر تقابل حنين اربعة اصدقاء يرافقونها بعد تردد، فيشاركها مغامرتها المحفوفة بالمخاطر والمعبرة عن قوة ارادة وتصميم: عمو موسيقى (رائد ابو حارثية), عمو رقص (سامي متواسي), عمو تنكة(نقولا زرينة) وعمو حبل(فؤاد هندية).

ومستعينة بكتاب البحر الذي تركه لها جدها قبل وفاته تمضي حنين برفقة الاصدقاء الاربعة, ليواجهون بدايةًً الجدار الشاهق, الذي يقف حائلا بينهم وبين مواصلة مشوارهم ورحلة حياتهم, وعندما تقرأ حنين في كتاب جدها عبارة"كل مشكلة وإلها حل" يبدأ خمستهم محاولات جادة ومثابرة لإيجاد هذا الحل, الى ان يهتدوا اليه, فيبدأون حفر نفق اسفل الجدار وسط مغامرات طريفة ومواقف مضحكة. يعبرون اخيرا ليواجهوا واديا سحيقا غير ذي زرع, فيمدون حبل اصرارهم ويجتازونه واحدا واحدا.

وشكل مشهد التضرع الى الله ان ينزل عليهم المطر ويغيثهم في رحلة الشقاء والامل توهجا لافتا في العمل, مع صلاتهم الجماعية "يا الله.. يا الله" وحركاتهم المتقنة, وتطلعهم المستغيث نحو السماء "يا الله.. يا الله.. يله.. يله".

وواصل الذاهبون الى البحر ترنيمتهم الاحتفالية المفعمة بالمعنى حتى بعدما وصلوا البحر, وأدوا بحركات ايمائية متقنة مشهد ركوبهم قاربا شراعيا, وجدفوا بيد واحدة ووقف واحد نحو أفقهم"يا الله.. يا الله" فيما يشبه هدير الحياة المطلة من الشاطئ الآخر, الطالعة من اقصى حالات التعب والمعاناة.

وتضمنت مشاهد العرض الاخيرة تفوقا محركا ومثيرا للإعجاب على صعيد التقنيات والسينوغرافيا, خصوصا مشهد موج البحر, عندما حمل اثنان من الممثلين قماشة زرقاء كبيرة وخلقوا من اهتزازها تموجا متقنا وكاشفا عن قدرات اخراجية وقدرة على التعامل الجمالي مع مختلف الامكانيات التقنية والمالية المتوفرة.

ومواصلة للمشهدية الساحرة دخلت القماشة الزرقاء"اي دخل البحر" في اطار صورة الجد, التي شكل حوار حنين معها المشهد الاستهلالي للمسرحية التي تفاعل معها الحضور -اطفال وعائلاتهم- كثيرا, ورددوا معهم "يله عالبحر.. عالبحر" بصوت عال وتصفيق وحماس شديد, خصوصا اطفال بعينهم من جلاس الصف الامامي.

عاد البحر وكتابه الى اطار الصورة, وعادت حنين الى حلمها الذي لا يتوقف بأن تزوره, وتراه, وتداعب اصابعها الصغيرة امواجه الناعمة عند الشاطئ, وأكد لها اصدقاؤها وصوت جدها القادم من البعيد انها ليست وحدها وغنوا ليتحول الحلم الى حقيقة"وصلت حنين للبحر، مشتاقة كثير للبحر, موجه كبير هالبحر, خيره كتير هالبحر".

المسرحية التي جاب بها فريقها دول السويد ورومانيا ومصر قبل ان تحط رحالهم في الاردن، هي انتاج مشترك لمسرح الحارة الذي تأسس مطلع العام الماضي ومسرح باكا السويدي.

وانطلقت عروض المسرحية اول مرة مطلع نيسان(ابريل) من العام 2005 في السويد التي قدمت في مدارسها ومسارحها 31 عرضا محققة اثناء ذلك اعلى نسبة مبيعات.

وتضمن تعليق الممثل نقولا زرينة المشارك في المسرحية بعد العرض، حول الظروف الصعبة التي يعيشها الانسان الفلسطيني عموما, والاطفال على وجه الخصوص, وكيف ان ما واجهته شخصيات المسرحية يمثل المعاناة اليومية للناس هناك, قدرا كبيرا من العاطفة والمعنى الانساني, وعكست كلماته حرارة خاصة, وقدرة لافتة على خلق جو من الألفة والمحبة بين فريق العمل وجمهور المتلقين بغض النظر عن جنسيتهم ومرجعياتهم.

وشكلت اللهجة المحلية التي تحدث فيها الممثلون قبل وأثناء وبعد العرض عاملا رئيسيا في تفاعل الحضور وإحساسهم بأن المسرحية التي يتواصل عرضها في مدارس وأماكن مختلفة من الاردن حتى 26 الشهر الحالي, تعكس تجربة خاصة لكل واحد منهم.

وعلى الصعيد التقني جاءت اضاءة محمد عواد عامل تعزيز اضافيا لتميز العرض واقترابه من الاكتمال الجمالي, وكذلك الالحان الرشيقة التي عزفها ابو حارثية على العود والغيتار.

يعشق اطفال فلسطين البحر, لأنهم يعشقون الحياة ويقدسون الحرية, ولأن البحر حتى بمعناه المجرد صار حلما بعيد المنال في ظل احتلال يمنع عن الناس الماء والهواء, هذا ما ارادت المسرحية، ربما، ان تقوله.

التعليق