"نسمات شرقية" و"هواجس شرقية": طاقة الآلات كمساحة ممكنة للتعبير الإنساني

تم نشره في الاثنين 13 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً

أمسيتان موسيقيتان في وقت واحد في مركز الحسين الثقافي

 

محمد جميل خضر

عمان - حملت معزوفات علاء شاهين على العود في امسيته اول من امس في مركز الحسين الثقافي نفسا دراميا عميق الدلالة.

وقالت مقطوعة "حدث في العامرية" لمؤلفها نصير شمة الذي تتلمذ شاهين على يديه ما هو اكثر من البوح لتشكل خاتمة مسك للحفل الذي قدم فيه شاهين 10 مقطوعات وحضره جمهور قليل بسبب تعارض في المواعيد بينه وبين حفل موسيقى شرقي آخر اقيم في نفس المكان (على المسرح الرئيسي بالمركز) ونفس الموعد وحمل اسم "هواجس شرقية" فيما حملت أمسية شاهين عنوان "نسمات شرقية".

وفيما كان شاهين في طابق مركز الحسين الثقافي الأرضي يواصل تقديم معزوفاته "سماعي نهاوند" لمسعود جميل, "النهر الخالد" لعبد الوهاب، ومن تأليفه "نسمات شرقية", "الغربة", "نحن معك" و"رقصة الفرس" وغيرها من المعزوفات للعراقييْن نصير شمّه وجميل بشير، كان "رباعي هواجس الموسيقى" بقيادة عبد الحليم الخطيب يقدم على المسرح الرئيسي معزوفاته مستخدما خليطا من الآلات الشرقية والغربية: قانون، ايقاعات، كمان وبيانو.

وعكست مقطوعة "حدث في العامرية" التي اداها شاهين بإتقان لافت حسا فنيا دراميا انسانيا عاليا لدى مؤلفها شمّه ومن ثم لمؤديها في حفل اول من امس الذي استطاع نقل تفاصيل المقطوعة وأبعادها الدرامية الدلالية بدقة وحرفية فذة.

وألقت المقطوعة ضوءا شفيفا على موت 800 طفل في الملجأ الذي استهدفه الطيران الأميركي في 13 شباط (فبراير) من العام 1991 بصاروخين مروعين قتلا وأحرقا المدنيين الذين كانوا مختبئين فيه.

ولعبت المقطوعة مع الاطفال في ساحات لهوهم قبل ان تفرض عليهم الحرب التقوقع في الملجأ الى جوار اهلهم وجيرانهم, وبينت مقاطع من المعزوفة انهم لم يتوقفوا عن اللعب حتى وهم داخل الملجأ المحصن، ليرتفع ايقاع اللحن بعد ذلك وتدوي الأوتار بصوت الانفجار.

وفي مواصلة ابداعية مختلفة تابعت المعزوفة التي كانت الاطول بين باقي مقطوعات الحفل تداعيات المأساة مموسقة اصوات الحزن وبكاء الامهات الباقيات على قيد الحياة، ووصلت بلاغة التعبير الموسيقي في المقطوعة الاستثنائية الى مقاربة اصوات النواح والندب ولطم الخدود.

ووقف الحضور النوعي لأمسية شاهين، على قلة عددهم، تعبيرا عن اعجابهم وتفاعلهم مع المقطوعة التي تضافرت عناصر التفوق فيها تأليفا من قبل صاحبها الموسيقي العراقي المعروف نصير شمّه الذي يشرف على بيت العود العربي في القاهرة, وعزفا من قبل شاهين الذي طاول صاحبها في درجة اتقانه للمقطوعة التي اكدت ان لا فواصل حقيقية بين الفنون؛ فخلال مراحل تأديته لها حضر المسرح والتشكيل والتقطيع السينمائي، وحضر الشعر وأصوات الغناء الطالع من وجع الروح.

وفي سياق آخر قدم "رباعي هواجس الموسيقى" 12 مقطوعة موسيقية جاء حضور البيانو فيها خجلا وربما غير مبرر في بعض المقطوعات, في حين تسيد قانون عبد الحليم الخطيب الموقف وشكل حلقة الوصل الرئيسية مع تفاوت حضور ومشاركة من قبل الكمان وآلات ايقاعية ثلاث (رق، طار وطبل).

وعكست الأمسيتان طاقة الآلات الشرقية التعبيرية وقدرتها على محاكاة العاطفة الإنسانية بشفافية ولغة فنية فذة.

التعليق