الشاعر الإسباني" بالنطي": اللامكان موطن الكلمة

تم نشره في الاثنين 6 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً

 عمان-الغد- حينما توفي خوسيه أنخيل بالنطي في تموز (يوليو) 2000 كان الديوان الشعري الاسباني قد ربح اسماً كبيراً. هذا لا يعني ان "بالنطي" عاش على الهامش خلال حياته وكان يحب ان يموت ليشع اسمه. بل على العكس، كان النقاد يعتبرونه دائماً احد أبرز شعراء اسبانيا في النصف الثاني من القرن العشرين. كل ما في الامر هو ان الشعراء الذين يكتبون عن الموت ويتأملونه في قصائدهم، يصير الموت، في نظر قرائهم على الأقل، قصيدتهم الاخيرة التي لا يكتمل مشروعهم الشعري الا بها. ويبدو ان الباقة الشعرية المنتقاة بعناية فائقة وكذلك ترجمتها العميقة التي يقترحها على القارئ العربي الاديب المغربي شراطي الرداد في انطولوجيا «شذرات كتاب أت» الصادرة في اكثر من 240 صفحة ضمن منشورات وزارة الثقافة المغربية، قد نجحت في ان تنقل هذه الحال الخاصة التي عاشها بالنطي والتي كان الموت يحضر فيها كأفق يستشرق لا كقدر يتجنب. نقرأ في قصيدة «أفق»:

 «لا حد لهذه النهاية التي ألامسها

 لا شيء فيها ينتهي

 نهاية يعلن فيها الفراغ

 دوماً

 دنوه الباذخ .

الموت ليس اكثر من تلك السيادة المطلقة للفراغ. فراغ يمدح الشاعر دنوه الباذخ. كيف لا وهو دليله الوحيد نحو مملكة الظلال الذهبية. لذا فالشاعر لا يخشى الموت، بل يترقبه، وسينقاد له برضى حينما يحين موعد الرحيل:

 «أيها الموت

 أراك تجتازني بلحافك الضخم

 ذي اللبلاب الازرق

 تتفرسني

 منذ القدم

 تعرفني ولك أنقاد.

 بطيء، بطيء جداً هذا الموت في بهاء

 بطء الخريف

 إن حان الرحيل

 امنحني يدك ايها الموت لنبلج

 مملكة الظلال الذهبية».

لا يخشى الشاعر الموت ولا يتفاداه. ثم ما الموت؟ ليس الموت سوى عودة الجسد الى الروح، وتفتته داخلها لتصير هذه الأخيرة سيدة الصور والخيالات والظلال الخالصة:

 «أحياناً حين نموت، تتحول أيها الجسد في هدأة

  الى هبوط ظل وجهك في المرآة

 نحو بهاء صورة الظل».

خلال مساره الشعري الطويل الذي انطلق من صدور ديوانه الاول: «على غرار رجاء» عام 1955، وحتى ديوانه الأخير «اختفاء المنشد» الصادر في 1992 أصدر بالنطي خمسة عشر ديواناً بالاسبانية نذكر من بينها: «الذاكرة والعلامات»، «نهاية عصر الفضة» " داخل ذو اشكال»، و «ثلاثة دروس من العتمات»، اضافة الى اعمال شعرية اخرى كتبها باللغة الغاليسية مثل: «اغنيات آلين». وفي كل هذه الاعمال كان الموت يحضر ضمن الانشغالات المركزية لقصيدة «بالنطي». وهي القصيدة ذاتها التي ظل بالنطي يكتبها ويعيد كتابتها منذ ديوانه الاول. فإنتاجه الشعري لم يكن يتغير من ديوان الى آخر، بل ظل محافظاً على الموضوعات نفسها والانشغالات التي اتخذت لدى الشاعر مساراً تصاعدياً، لتصير اكثر عمقاً، وهو عمق موسوم بأثر الزمنين الشعري والمعرفي وما أتاحاه من خبرة للمبدع. والى الانشغال بقضايا فلسفية وميتافيزيقية كالموت والفراغ والتآكل، نعثر في العمل الشعري لبالنطي على تيمات تتوزع بين الانشغال بالتاريخ كإلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما. لكن كل هذه الانشغالات كانت تحصن لدى بالنطي بوعي خاص بوظيفة الشعر. وهي الوظيفة التي لم يكن بالنطي يختزلها في مفهوم الالتزام، لأن هذا المفهوم يتعارض مع حرية الأدب المتمنعة عن كل تضييق او تسخير يحدان منها. فالأدب الملتزم كان دوماً، في نظر بالنطي، سجين الايديولوجيا، لذلك نص على ضرورة صون حرية الابداع. وهذا الوعي هو ما جعل بالنطي يفرد لتأمل الشعر مساحة دالة في اعماله، اذ حوله موضوعاً مكن قصائده من تأمل ذاتها.

وقد عد بالنطي، في ضوء هذا الوعي، ان موطن الكلمة الشعرية هو الحد الاقصى او اللامكان بصفته اقامة في ما لا يقال. وهو ما لا يتسنى بلوغه الا بالتحرر من المفهوم الضيق للالتزام، ومن كل ما يعوق التوجه نحو أقاصي الشعر حيث وحدها الاسرار والكنوز الخفية بانتظار القراء، في قصائد «جمالية» يحاول بالنطي ان يشرح دور الشاعر قائلاً: «يكتب كتابة مشفرة وحسب. الى أساليب المواربة والاخفاء الغريزية يستند. بإنجازه لهذه التآليف المقلقة يدرك. في البعض منها، تلك التي لربما تشكل نواة المتاه يوجد احياناً سر، كنز خفي، لكن لسنا نعرف ما يكون».

ان القصيدة الموت، تقود الشاعر هي الاخرى الى مملكة مظلمة ومجهولة عبر شحوب ظل المسالك الضيقة. بل ان الرؤيا الشعرية التي تؤطر هذه القصيدة وسواها لا تكتمل هي الاخرى ولا تتحقق الا بالموت. ها هي مختارات شراطي الرداد التي يقترحها علينا اليوم تحت عنوان «شذرات كتاب آت» تؤكد ان ضوء بالنطي المتوهج سيبقى لامعاً الى الأبد وسط حديقة الشعر الاسباني، وفي الاحواض الشعرية المجاورة. ضوء شعري خالص ذو انبعاث أبدي. ضوء الشاعر الذي وصفه بالنطي مرة بروح صوفية نلمس من خلالها تأثره الكبير بابن عربي:

ضوؤك يتشبه بالحجر،

 أبدياً ينبعث.

 تأتي داخلك ساكناً

 هناك في الاعماق

 في وحدة وجودك

 أنت نورك الوحيد

 المتقد دوماً.

التعليق