تباين الآراء حول منهج سليمان الموسى في كتابة التاريخ واختلاف حول مرجعياته

تم نشره في الاثنين 30 كانون الثاني / يناير 2006. 09:00 صباحاً
  • تباين الآراء حول منهج سليمان الموسى في كتابة التاريخ واختلاف حول مرجعياته

في ندوة علمية تكريمية أقامتها رابطة الكتاب

 

محمد جميل خضر

   عمان- تباينت آراء المشاركين في الندوة العلمية التكريمية التي أقامتها رابطة الكتاب الأردنيين أول من امس للمؤرخ سليمان موسى حول منهجيته التأريخية, واختلفوا حول دوافعه. وفيما رأى بعضهم ان درجة تقاطع سرد موسى لتاريخ الاردن الحديث والمعاصر مع الرواية الرسمية للاحداث كان مبالغا فيه, فإن آخرين برروا ما تضمنته كتبه من مجاملة للنظام السياسي, خصوصا ان كثيرا منها برأيهم نشر في زمن الاحكام العرفية والقمع وتكبيل الحريات.

وامتد تباين الاراء في الندوة التي اشتملت على جلستين واقيمت في مركز الحسين الثقافي بمشاركة خمسة باحثين الى غير مسألة خلافية في مسيرة موسى الكتابية والحياتية.

   وأدار رئيس الكتاب الاردنيين د. احمد ماضي الجلسة الاولى التي شارك فيها د. علي محافظة ود. محمد خريسات والكاتب ناهض حتر, فيما ترأس الجلسة الثانية الكاتب سليمان نصيرات الذي قرأ ورقة د. معن ابو نوار لتعذر حضوره لأسباب صحية وشاركت في الجلسة ايضا د. هند ابو الشعر بورقتها "سليمان موسى مؤرخا "وجوه وملامح" صور شخصية لبعض رجال السياسة والقلم نموذجا".

   ودار الخلاف الأساسي في الندوة التي حضرها زهاء 60 شخصا من بينهم أقارب موسى حول مدى التزامه بالخط الرسمي للدولة اثناء انهماكه بكتابة تاريخ الاردن, ففي حين رأى فيه د. محمد خريسات التزاما مبالغا فيه وذكر مستشهدا ببعض القرائن والاحداث ان موسى اعتمد الرواية الرسمية حول بعض المعلومات وتبنى موقف النظام في تفسيرها, فإن الكاتب ناهض حتر برر هذه المنهجية بسبب ضرورات المرحلة التي كتب موسى مدونته التاريخية الاردنية أثناءها، وقال حتر "لو خيرت بين عدم كتابة تاريخ الاردن، وبين كتابته بشروط النظام لكنت اخترت الحالة الثانية" وكشف في سياق متواصل انهم في اليسار الاردني استفادوا كثيرا من كتب موسى، خصوصا الجزء الاول من كتابة "تاريخ الاردن الحديث" ما يؤكد ما ذهب اليه من ان اهمية ما كتبه وارخ له موسى، يبرر اضطراره لمجاملة النظام الرسمي.

   ورأى حتر ان موسى مرر من دون ان يضطر لمواجهة السلطة كثيرا من افكار المعارضة وتتبع اخبارهم ووثق لمراحل من تاريخ المعارضة الاردنية وعرف بأعلامه وكشف، حسب حتر، من خلال كتبه ان هذه المعارضة كان لها ملامحها وحضورها ودورها منذ عشرينيات القرن الماضي مستشهدا بما ورد في كتاب "تاريخ الأردن الحديث" حول المؤتمر الوطني في ام قيس مطلع عشرينيات ذلك القرن.

   وفي مداخلة لرئيس الجلسة د. احمد ماضي اوضح ان التباين في الرأي ظاهرة صحية, خصوصا عندما يتعلق الامر بالتاريخ السياسي "المختلف عليه دائما" ورأى ماضي انه كما لخريسات تحفظ او تحفظات على منهجية موسى في كتابة التاريخ, فإن هناك كثير من المؤيدين لتلك المنهجية والمتفهمين لآليات سيرورتها في السياق التاريخي الذي تكونت فيه.

   من جهته قدم موسى المكرم مداخلة واصفا كتابة التاريخ المعاصر بأنها عملية شائكة مليئة بالمزالق "قلما ترضي فيها احدا" وذكر في مداخلته ان كتابة التاريخ تتألف من عنصرين رئيسيين: حدث وتفسير لذلك الحدث، رائيا ان الخلاف الجوهري ينشأ في العنصر الثاني المتعلق بتفسير الاحداث التاريخية.

وتعرض موسى للصعوبات التي واجهها اثناء كتابته لتاريخ الاردن، مستشهدا بقصص تروي معاناته وتجشمه التنقل بين جهات الأردن الأربع من اجل الحصول على معلومة أو التحقق من أخرى، في زمن لم تكن تتوفر فيه وسائل النقل الحديثة، ولا سائر الإمكانيات المتاحة للباحثين الآن.

وشكر في سياق متواصل الناشر وصاحب المطبعة عبد الرحمن الكردي الذي كان له فضل كبير على موسى حسب قوله, والذي لولاه لظل مخطوط كتابه الاول قيد الادراج اعواما كثيرة اخرى بعد ان ظل 17 عاما كذلك, وقال موسى "مسكين الكتاب في بلدنا, فالناس يسألون عن كل شيء باستثنائه".

   واجرى موسى مقارنة بين درجة اهتمام دول اخرى مثل انجلترا وفرنسا واليابان بكتاباته, خصوصا كتابه حول لورنس وبين ما ناله من رعاية واهتمام في بلده, مشيرا ان آلاف النسخ بيعت من كتابه المذكور اعلاه في الدول الثلاث السابقة، إضافة لتدريس جامعة اكسفورد لكتبه في مساقات التاريخ وعلومه.

   ووصف د. علي محافظة موسى في ورقته بأنه ظاهرة فريدة بين كتاب الاردن ومؤرخيه, وقال عنه بأنه كان منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وحتى منتصف خمسينياته "كاتبا قصصيا وصحافيا نشر قصصه ومقالاته في الصحف والمجلات الفلسطينية والاردنية واللبنانية واكتشف مقدرته على كتابة التاريخ بعد نشر كتابة "الحسين بن علي" العام 1957 وكتابه "تاريخ القرن العشرين" بعد ذلك بعامين, وقال محافظة في مستهل ورقته "سليمان موسى رجل عصامي حقا, بنى نفسه بنفسه علميا وثقافيا بعد اتمام دراسته للمرحلة الابتدائية" وذكر انه بدأ حياته بالتعلم والتثقف الذاتي "حتى اذا شعر بقدرته ورغبته في الكتابة نظم الشعر اولا ثم كتب القصة".

   ورأت عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة آل البيت ورئيسة تحرير مجلتها "البيان" د. هند ابو الشعر ان لموسى حق الريادة من خلال عمله الدؤوب فهو من اوائل الذين كتبوا تاريخ الاردن الحديث في زمن مبكر جدا, وذكرت انه واصل كتابة تاريخ الاردن بعناد لا يلين وبطريقة تثير الاعجاب والدهشة "حتى انه نشر تسعة ابحاث باللغة الانجليزية في محافل اكاديمية دولية, وحاضر في الجامعة الاميركية في بيروت, وترجم عن الانجليزية".

ووصفت ابو الشعر طريقته المشوقة في كتابة التاريخ بـ "فن السيرة"، خصوصا في كتابه "وجوه وملامح" الصادر عن وزارة الثقافة والشباب الاردنية في العام 1980 في 204 صفحات من القطع المتوسط، مستعرضة في سياق متواصل الفرق بين الكتابة المدرسية الصارمة وما يتخمها من وثائق وارقام جامدة، وبين كتابة التاريخ ورصد سير الاعلام بأسلوب مشوق ولغة دينامية مرنة حية.

   وتحدثت ابو الشعر عن البعد الاخلاقي في الكتاب من خلال مقولة لموسى "من واجبي ان ادافع عن اولئك الذين لم يعد بمقدورهم ان يدافعوا عن انفسهم" داعية للتوقف عند هذا الطرح الفلسفي الاخلاقي بالنقد والمساءلة "ومحاكمة مصادرنا بطريقة جديدة وقاسية".

واستعرض د. معن ابو نوار في ورقته ما تعلمه من "استاذه الكبير" ومما ورد في ورقة ابو نوار التي القاها نيابة عنه رئيس الجلسة سليمان نصيرات: "تعلمت منه ان التاريخ الصحيح عملية احياء عقلي, علمي وموضوعي لحقائق الماضي واشخاصه ومجتمعاته" وبأن التاريخ، كما يواصل ابو نوار، لا يعني رسم لوحة جامدة للماضي بل يعبر عن حقائق هذا الماضي, متلمسا مصادره التي تشكل معالمه ومادته.

   وفي تقديمه للجلسة الاولى قال د. احمد ماضي "ان مؤرخنا تمكن من بسط تاريخ الاردن وتحليل وقائعه, وتسليط الضوء على طائفة من شخصياته" وكشف ماضي ان رابطة الكتاب كانت نشرت لموسى العام 1981 في سياق آخر مجموعة قصصية بعنوان "ذلك المجهول" في اشارة لتعدد الجوانب الابداعية في شخصية موسى المولود في العام 1910 والمتوقف عن دراسة التاريخ في جامعة رومانية بعد انهائه عامين دراسيين، ليعود ويلتفت لتاريخ بلاده, خصوصا الثورة العربية الكبرى التي عاصر اولى قطافها والتقى وهو ما يزال صغيرا ببعض رموزها.

وكان حتر طالب في كلمته المرتجلة بإيقاف الظلم الذي لحق بموسى عندما ارغم على وضع اسم اخر الى جوار اسمه على غلاف كتابه "تاريخ الاردن الحديث/ الجزء الاول" علما بأن موسى ومن يعرفون اسلوبه الكتابي يؤكدون ان الاسم الآخر (منيف الماضي) الذي رفض حتر ذكر اسمه لم يكتب حرفا واحدا من الكتاب من دون ان ينكر موسى دوره المهم في صدوره حتى انه يذكر في كتابه "خطوات على الطريق" انه لولا الماضي لما رأى الجزء الاول من "تاريخ الاردن الحديث" النور.

وهي الدعوة التي شكلت من قبل حتر سببا اخر للخلاف والتباين بالرأي  في الندوة التي شكلت لفتة عميقة الدلالات من قبل رابطة الكتاب الاردنيين.

التعليق