أفكار حول كيفية العيش بهدوء في عالم مشوش

تم نشره في السبت 21 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • أفكار حول كيفية العيش بهدوء في عالم مشوش

آنو السرحان

   عمّان- الإنسان المثالي والسعيد كما يقول "جيم بالارد" في كتابه "عقل مثل الماء"، الصادر عن مكتبة جرير، هو الذي يستخدم في تصرفاته وأفعاله مصطلح "عدم التمسك"، فلا شيء لا يستحق التغيير والتبديل والرجوع عنه، ما دام هذا الأمر يخدمنا باتجاه شعورنا بالراحة والرضا عن النفس.

   لقد اعتاد العلماء على الفصل بين العلم والعقل، حتى علم النفس، فقد تمت صياغته كملاحظة ودراسة للظواهر الذهنية والشعورية والسلوكية، وليس كنظام متعمد لفحص الذات وتغييرها، إن العقل والوعي والإدراك، هي جذور التجربة الإنسانية، إن تغيير الحياة التي لا نحبها، تبدأ من تغيير عقولنا.

   "عقل مثل الماء" mind like water هو مفهوم من ابتكار طائفة الزن الصينية القديمة، وكان هدفها من ذلك فهم جوهر الوجود وحقيقة التغير في هذا الكون عن طريق امتلاك عقل شفاف وصاف مثل الماء، والعقل المائي يجيد التعبير عن الأعمال والمواقف بأقصى وأفضل ما يملك، وبالنظر إلى خصائص الماء وتطبيقها على قلوبنا وعقولنا، نجد أنه انسيابي، وله القدرة على الانتشار، واستيعاب كل ما يلقى فيه، والانعكاس، وأخذ شكل الآنية التي يوضع فيها، كما له القدرة على الاحتفاظ بالجوهر بغض النظر عن شكله المتغير. الماء لا يجري بسرعة أكبر أو أقل مما ينبغي، فتدفقه هادئ ومنتظم ومعتدل؛ يبحث عن المستوى المناسب له بشكل طبيعي وبدون أدنى جهد.

   إن الدرس الأول الذي يحاول الكتاب أن يعلمه للقارئ يتلخص في: "عش اللحظة، لا تتسرع ولا تتوقف، ولا تنظر إلى الوراء، انصت لنفسك، ولا تندفع أبدا". وكما يقول "كارل جوستاف يونج" فإن المشكلات الكبرى في الحياة لا يمكن حلها أبدا، بل يجب الارتقاء فوقها، بالوصول إلى مستوى جديد من الوعي والإدراك.

   ويؤكد "بالارد" أيضا على أهمية الحدس في حياتنا، وكما يقول فإن الحدس موجود في دواخلنا، وهو ليس شيئا موجودا خارجنا يجب علينا إضافته إلى تركيبتنا البشرية، نحن نولد بهذه القدرة، إنها على حد تعبير المؤلف عملاق نائم، ومصدر مختف للحكمة، ينتظر فقط من يتعرف عليه ويوقظه ويثيره. لقد أصاب الحدس الضمور لدى معظم الناس، بسبب عدم استخدامه. قد يستغرق بناء عضلة الحدس وقتا طويلا، لكنه سيوفر علينا كثيرا من العناء.

   في هذا العالم المشوش الذي لا يمكن التنبؤ بما يحدث فيه بسهولة، يجب علينا تعلم كيفية الحياة بثقة وهدوء، ويذكر "بالارد" بعض طرق إحياء الطاقة التي لا تكذب بدواخلنا، ونلخصها فيما يلي:

- استشعر القوة: حاول أن تشعر خلال لحظات معينة أثناء ممارستك لعملك بأن هناك طاقة قوة الحياة التي تندفع من داخلك، وهي التي تعمل ولست أنت، تخيل بأن القوة شيء ملموس يتدفق من عقلك وعضلاتك.

- مارس فن اللاعقل: تدرب على عدم معرفة ما سوف تفعله بعد لحظات، ادخل كل لحظة عازما على إنجاز ما يجب إنجازه من أعمال.

- استخدم عبارة "سيتم إنجاز العمل حتما": فذلك سيبقيك متيقظا، وستحرر نفسك من التفكير بما لم ينجز بدلا من الإنجاز نفسه.

- إلعب دور المراقب: راقب ذاتك، ونق ذهنك أثناء ممارسة أي عمل، حتى لو كان ترفيهيا، ركز دوما على أمر واحد فقط.

- جدف عندما تكون على قمة الموجة فقط: فراكبوا الزوارق المحترفون لا يقاومون التيار بل يتعاونون معه، الوقت الوحيد الذي يدخلون فيه مجاديفهم في الماء ويستخدمونها هو الوقت الذي يرغبون فيه بتصحيح مسار القارب أو الاحتفاظ به متوجها مع التيار.

- ابحث عن الفرص ولا تنتظرها: لا تسمح للتقلبات بأن تعوقك، ابحث ما وراء الخطر عن الفرص الجديدة المختبئة.

- ارخ قبضة التمسك بتفضيلاتك: فتمسكك بعاداتك وتفضيلاتك التي لا تستند على قيم ومبادئ حقيقية، قد تخفي عنك معاني عظيمة، فإذا أردت أن يظهر الطريق المستقيم أمامك، لا تفكر فيه ولا ترفضه.

- اقرأ المستقبل في الماضي والحاضر: فمعظم الناس يفشلون في إدراك الارتباط بين ثباتهم على الأوضاع السيئة الحالية، وبين عدم قدرتهم على التكيف، مطلوب رؤية صحيحة للمستقبل عن طريق المقارنة بين الماضي والحاضر من خلال الظروف والمعطيات التي بين أيدينا.

- اكتسب منظورا بالإدراك المتأخر: فالتدرب على امتلاك عقل مثل الماء، يتيح لنا أن نرى ما يبدو بأنه كارثة، هو ببساطة الشيء الذي سيحدث فيما يلي، وبدلا من أن يصيبنا الرعب والعجز، فإن العقل يحلق عاليا ويقوم بتقييم الصورة ككل، من دون إجراء أي تصرف قبل التفكير في احتمال كون هذا الشيء السيئ شيئا جيدا متخفيا، فيما يبدو في صورة مشكلة يمكن أن تكون مصدر سعادة متخفيا بشكل متقن، جرب أن تعود بذاكرتك إلى حدث مؤلم ظننته كارثة، إن لم يكن قد حدث ما حدث، ما كنت قد أصبحت/ فعلت/ قابلت.

   علينا حتى نتمتع بعقل مثل الماء، ونتغلب على مشاكلنا، أن ننظر للعقبات التي توجهنا بمنظور مستقبلي، وعندما يحدث أمر سيئ، بادر لسؤال نفسك: ما الفوائد المحتملة من هذا الحدث الذي قد يبدو مؤلما؟ كيف ستنظر له بعد خمس أو عشر سنوات مثلا؟

   إن عملية التغيير ليست بالأمر السهل، يشبه الأمر كما يقول المؤلف إلى حد ما عملية تغيير أسلاك كهرباء في منزل قديم، يجب أن تبقى الأسلاك الحالية العتيقة في مكانها لفترة ما لتزويد المنزل بالكهرباء، بينما يتم تركيب الجديدة، وأثناء تقدم العمل، يجب مراعاة الحرص لتجنب أية حوادث مكلفة، أو أحمال زائدة، أو حرائق قد تتسبب فيها الأسلاك البالية، وفي النهاية لا بد أن يتم استبدال النظام القديم بالكامل، ويتم العمل وفق ما تم من تحديث لأول مرة وإلى الأبد.

التعليق