المكتبة المنزلية: ركن أساسي في تشكيل وعي الأسرة

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • المكتبة المنزلية: ركن أساسي في تشكيل وعي الأسرة

بعضهم يعتبرها كنزا وآخرون ينظرون إليها ديكورا

 

جمانة مصطفى

 

عمّان- ما انفكت مكتبة المنزل شاهدة على ثقافة أصحابها، وما برح الكتاب لدى كثيرين"خير جليس في الزمان" كما أنشد ذات يوم الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي الذي ربط القلم والقرطاس بالسيف والفروسية والكبرياء.

بيد أن المكتبة المنزلية التي كانت في عقود مضت "مفخرة" لرب الأسرة يريها لضيوفه ويتباهى بمقتنياته من الكتب النادرة لا تحرز الاهتمام ذاته لدى جيل الشباب، خصوصا لدى العرسان ممن لا تشكل المكتبة إحدى أولوياتهم عند تجهيز المنزل.

وعادة ما تتمركز المكتبة في أكثر الأماكن استخداماً كالصالون أو مكتب الأب، بينما ينصح علماء التربية بوضعها في غرفة الجلوس حيث يتاح للأطفال تناول أي كتاب يحلو لهم ومطالعته.

وتؤكد خبيرة التربية هيفاء الرواشدة أن المكتبة يجب أن تحتوي على الكتب والمراجع العلمية والتاريخية حتى يستفيد منها جميع أهل المنزل بمن فيهم الابناء الذين يدرسون في المدارس. وترى أن"من الجميل أن يعتاد الطفل على وجود الكتاب أمام ناظريه كمادة متاحة وليس كفرض ثقيل".

وتشجع الرواشدة أن يرصد الأب أو الأم مكافأة بسيطة للطفل لدى إكماله قراءه كتاب معين. وتشدد على أهمية أن يعتاد الطفل على القراءة منذ نعومة أظفاره كعادة ملازمة له.

 

إلا أن مكتبة المنزل أمست اليوم، بالاضافة الى مكان لوضع الكتب، مكانا مناسبا للتلفاز والكمبيوتر وغيرهما من الادوات التي تستخدم يوميا. ‏

ولا يخفي مهندسو الديكور قناعتهم بأن المكتبات المنزلية تشغل ناحية علمية وجمالية في وقت واحد، لذلك يقترحون انتقاء الموجودات التي في داخلها من كتب وتحف ضمن نسق واحد، وهو ما يرفضه كتاب ومثقفون ممن لا يروق لهم أن يتحول الكتاب إلى"سلعة أو اكسسوار".

وعادة ما يكون تشكيل المكتبة منوطا برب العائلة. ورغم اقتصار فائدة العديد من المكتبات على أصحابها، إلا أن هذه الهواية تتابعت لدى العديد من المثقفين لتمسي إرثا عظيما يتخطى مكتبة العائلة إلى جزء من المكتبات العامة.

ومن الذين نذروا حياتهم لتجميع مكتباتهم الخاصة المؤلف حسن الكرمي الذي جمع خلال سني عمره التسعين آلاف الكتب باللغتين العربية والانجليزية.

ولدى الكرمي أكثر من 5000 كتاب باللغة العربية، ومعظمها من أمهات الكتب في الشعر والأدب والتاريخ، كذلك ما يفوق الـ10,000 كتاب باللغة الإنجليزية في مواضيع مختلفة كالفلسفة والرياضيات وعلوم الدين والتاريخ.

وقد تبرع الكرمي كعادة اغلب المثقفين بما يفوق الـ7500 كتاب إلى مكتبة شومان، إذ أحب أن يكون إرثه متاحا لكل من يحب أن يتزود منه وليس حصرا على العائلة.

ومن مكتبة حسن الكرمي إلى مكتبة أبو وليد البسيطة التي اعتاد صاحبها أن يوفر لأولاده الكتب العلمية الأكثر شيوعاً وثقافة بين أيديهم، ما يوفر لهم فرصة الرجوع إليها بسهولة.

 

يقول ابو وليد(45عاما) والأب لأربعة أطفال تتراوح أعمارهم من الخامسة وحتى الثالثة عشرة عاما إن همه منذ البداية كان جمع مؤلفات كتابي المفضلين على الصعيدين السياسي والأدبي، لكن مع مجيء الأولاد أمسيتُ أكترث للقواميس والكتب التي تشكل مراجع لهم في دراستهم".

وتحتل المكتبة التي لا يتجاوز عدد كتبها الخمسمائة كتاب حائطا كاملا في غرفة الجلوس بمنزل أبي الوليد بحيث تكون في متناول أيدي الأطفال في أي وقت.

ورغم تمثيلها زاوية مهمة في ديكور المنزل إلا أن هذه المكتبة تعكس ما هو أبعد من ذلك من توجهات أصحابها وأفكارهم والأبعاد العقائدية والسياسية التي تبناها رب الأسرة في حياته.

ومن أضخم المكتبات التي عمل أصحابها على تجميعها في الأردن مكتبات د.ناصر الدين الأسد ومكتبة د.عدنان البخيت ومكتبة د. حمزة حداد القانونية ومكتبة ورثة إحسان عباس، بالإضافة إلى مكتبات أساتذة الجامعات.

ويحتفظ أستاذ القانون د. حمزة حداد بأكثر من عشرة آلاف كتاب ورقي في مكتبته قام بتجميعها وانتقائها على مدى سنوات طوال حتى أمست من أضخم المكتبات في الأردن. وتضم مكتبته التي يتيحها لطلبة العلم والدراسات العليا أهم الكتب والمراجع القانونية باللغتين العربية والانجليزية، بالإضافة إلى أمهات الكتب في اللغة العربية والفقه الإسلامي.

ويرى مهندسون أن المكتبة تلعب دوراً مهماً في مساحة المنزل، فالمنزل الكبير يحتاج الى مكتبة كبيرة لها صفوف وأدراج متناسقة، أما المنزل الصغير فيحتاج الى مكتبة صغيرة تزيد من جماليته.

إلا أن الاهتمام السائد من الأهل باقتناء المكتبة المنزلية لا يتعدى كونه ديكورا منزليا في أغلب الأحيان، خصوصا مع الأرقام التي تشير إليها الدراسات حول نسبة القراء العرب.

وكان استفتاء للرأي أجرته "الغد" في وقت سابق للقراء من الجيل الجديد أفاد بأن 64 بالمائة منهم لا يقرأون خارج إطار الكتب الأكاديمية.

 وساق عدد من القراء الشباب ممن بلغت نسبتهم 37% أمثلة على الكتب التي تقع ضمن اهتماماتهم، فجاء في مقدمتها كتب الأبراج، تلتها الكتب الدينية، وشعر نزار قباني، والرواية، ومن ثم الكتب السياسية والفلسفية.

ولا يفكرالخطيبان هالة ومحمد اللذان يقومان حاليا بالبحث عن منزل للبدء بتجهيزه تحضيرا للزواج في الصيف المقبل بأن يشتمل بيتهما على مكتبة منزلية باستثناء مكتبة التلفاز التي ستضاف إليها بعض مجموعات الكتب كجزء من الديكور. ويريان أن الكهربائيات والأثاث تأتي على رأس القائمة، خصوصا مع ارتفاع الأسعار السائد الذي يحيل المكتبة إلى زاوية جمالية أكثر منها مصدر معرفة.

يقول محمد "سأجلب الكتب التي أحتفظ بها في مكتبتي القانونية كوني محاميا، لكنني لا أطمح إلى شراء كتب جديدة بهدف تأسيس مكتبة".

وعلى الرغم من احتفاظ والد هالة بعدد ضخم من الكتب وتفاخره بها، إلا أنها لم ترث هذا الاهتمام على حد تعبيرها، وذلك رغم استفادتها من مكتبة والدها الراحل أثناء دراستها المدرسية والجامعية.

ولا يخفي الخطيبان أن القراءة بحد ذاتها لا تقع ضمن اهتماماتهما المشتركة باستثناء كتب الأبراج والروايات القصيرة لدى هالة، وكتب الدين الإسلامي لدى محمد، وهو مالا يحفز كليهما على التفكير في تأسيس مكتبة منزلية.

ويشدد حسن أبو علي صاحب كشك" أبو علي" الشهير وبائع الكتب الأقدم في عمان على أننا في مواجهة جيل جديد لا تقع الكتب أو القراءة ضمن أولوياته. ويقارن أبو علي الذي يبيع الكتب منذ 47 عاما بين عدة أجيال عاصرها جميعا وعرف طبائعها واحتك بأبرز مثقفيها،إذ يرى أن "الجيل الأربعيني وما فوق لا يستغني عن الكتاب. أما الشباب فقد سرقه عالم الانترنت والستالايت والثورة المعلوماتية من الكتاب، ولم تعد القراءة تشكل هاجسا لديه أو متعة أو حتى حاجة يسعى لإشباعها"، وهو ما تشير إليه هالة التي تفضل مشاهدة فيلم أميركي أو الجلوس لتصفح الانترنت على القراءة.

تصوير : ساهر قدارة

التعليق