التراجمة يعودون إلى مدينة المسيح

تم نشره في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • التراجمة يعودون إلى مدينة المسيح

    بيت لحم- مكن دعم غربي سخي، من ترميم وإحياء شارع النجمة الذي يعد من أقدم شوارع مدينة بيت لحم، ويعتبر المدخل التقليدي للبلدة القديمة وصولاً إلى كنيسة المهد، التي يعتقد أن السيد المسيح ولد فيها.

وجرت العادة ومنذ القدم أن يترأس بطاركة الطوائف المسيحية المختلفة، كل عام، وبحلول ذكرى عيد ميلاد السيد المسيح، المواكب التقليدية التي تنطلق من القدس إلى بيت لحم، عبر هذا الشارع، الذي كان لعدة قرون خلت يمثل المركز التجاري الرئيسي لأهل المدينة وللحجاج والزوار على حد سواء، وشهد عملية إعادة تأهيل واسعة نفذها مشروع بيت لحم ألفين بدعم من الحكومة الأسبانية.

   وتكاد تكون بيت لحم المدينة الوحيدة في العالم، التي تشهد ثلاثة احتفالات على الأقل بعيد ميلاد المسيح، وفقا للتقاويم الشرقية والغربية والارمنية.

ويطلق على هذا الشارع المميز بمنازله وطرقه القديمة، حارة التراجمة نسبة لسكانه الأوائل، وسميت هذا الحارة بهذا الاسم نسبة لمترجمين تعود أصولهم للصليبيين، والذين تزوجوا عربيات مسيحيات، وعملوا في الترجمة للحجاج والقساسوة وغيرهم، وهناك من يشير إلى أن أصول التراجمة من ايطاليا.

مشروع إحياء

   وتم فتح محلات لبيع التذكارات السياحية والدينية، في الشارع القديم بعد افتتاحه، ولكن ظروف محلية ثم اندلاع انتفاضة الأقصى، أدت إلى إغلاق هذه المحلات، مما جعل الشارع يعود إلى مرحلة سبات وفوضى، وحتى التماثيل والأعمال الحجرية التي أهداها فنانون أجانب للشارع ووضعت على امتداده تحولت إلى مكان لكي تكتب عليها شعارات المرشحين للانتخابات البلدية حيث تم تعليق صورهم عليها، مما أدى إلى تشويهها.

   ويقود مركز حفظ التراث الثقافي الان حملة ومشروعا لإحياء الشارع وإعادة ذكرى التراجمة إلى المكان.

وتقول الدكتورة خلود دعيبس مديرة المركز، بان المشروع هو بداية محاولة جديدة وجادة وهو خطوة على طريق مشوار طويل اتجاه العمل على إنعاش شارع النجمة وتحويله إلى منطقة جذب سياحية، وبالتالي تحسين المستوى المعيشي للمعنيين من أهالي وأصحاب محال تجارية وغيرها.

وقالت بأنه سيتم العمل على ترميم الشارع، وإصلاح الإنارة، ووضع إشارات إرشادية سياحية، وإضافة عناصر جملية كأحواض الأزهار وغيرها.

وتعول دعيبس على المشاركة الشعبية في مثل هذا الجهد، عشية الاحتفال بعيد الميلاد المجيد المقبل، والذي سيتوج بتنظيم سوق الميلاد، وبما يضمن استدامة النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في هذا الشارع وبما يؤدي إلى تطوير وإنعاش البلدة القديمة بشكل اشمل، كما تأمل.

وقالت دعيبس بان اهتمام مركزها بهذا المشروع يأتي في سياق رؤية تستهدف الإسهام بجهود التنمية عبر خلق وترويج لمسار سياحي يندرج في إطار البرنامج الأوروبي المتوسطي الثاني.

من نجران ووادي موسى

   وحارة التراجمة هي أهم حارات بيت لحم، وبالإضافة إليها توجد عدة حارات هي:

*الفرحية: وسميت كذلك نسبة لجدهم فرح الذي يشير الباحثون إلى انه أتى من وادي موسى، في الأردن قبل نحو 600 عام.

*النجاجرة: وسكانها تعود أصولهم إلى القبائل المسيحية العربية كالغساسنة، وسميت بالنجاجرة لان سكانها قدموا من نجران، في جنوبي المملكة العربية السعودية الان، وكانت نجران من أهم مواطن المسيحيين العرب في شبه الجزيرة العربية، وحفظت لنا كتب التاريخ وقائع مناظرة بين الرسول العربي (صلى الله عليه وسلم) ووفد من نصارى نجران، وحسب بعض المؤرخين فان الحارة أسست عام 635م.

*الحريزات، والعناترة، والقواوسة: ثلاث حارات أسست في بداية القرن السادس عشر في أثناء العهد العثماني.

*حارة الفواغرة، والتي أسست كحي إسلامي عام 1780، حيث تعاون قرويون مسلمون ومسيحيون في رفض دفع الضرائب للسلطان العثماني.

وحلال حملة إبراهيم باشا، ابن الحاكم المصري محمد علي، على الشام، هدم هذه الحارة على رؤوس سكانها، لأنها كانت بؤرة التمرد على حكم إبراهيم باشا.

وتطورت هذه الحارات على مر العصور، ومثلت جزءا من التراث الثقافي، حيث تشكل مجتمعة لوحة فسيفسائية تحيط بساحة المهد.

   يقول الباحث جريس العلي بان الحارات نشأت قديما "بعد أن تكتلت مجموعات من سكان بيت لحم في مجمعات من الأبنية تتناسب وظروف حياتهم الاجتماعية، وكان لكل حارة مضافة يجتمع فيها رجال الحارة يتداولون في أمور معيشتهم وأشغالهم وخصوصياتهم، وكانوا ليلا يتسامرون ويستمعون للحكايات المسلية التي يقصها المسنون".

ويضيف العلي "وكان لكل حارة شيخ يرعى مصالحها، وكان هؤلاء الشيوخ يجتمعون ويتباحثون في أمور كثيرة منها الدفاع عن البلدة ضد كل اعتداء أو ظلم".

وفيما بعد أصبح لكل حارة مختارا، وذلك في العهد العثماني، وكانت كل حارة تختار مختارها، الذي توافق عليه السلطات وتعطيه خاتم المخترة، ووظيفته بشكل عام هو أن يكون حلقة الوصل بين السلطات والمواطنين.

   وجاءت حكومات وذهبت أخرى، وبقي نظام المخترة، بل زاد عدد المخاتبر مع تبلور تجمعات سكانية جديدة، وازدياد الطامحين لحمل لقب مختار، بل أن خلافات تنشأ في السباق على حمل هذا اللقب.

   وحدثت تغيرات عمرانية وأخرى ديموغرافية في البلدة، وتمدد البناء إلى خارج الحارات، ولكن السكان في الأحياء الجديدة ما زالوا ينتسبون كل إلى الحارة التي يحمل هويتها.

أدت هذه التغيرات إلى تأسيس حارات جديدة أو تجمعات لها هوية مشتركة مثل حارة السريان، ورغم أن السريان عاشوا في فلسطين منذ عصور سحيقة، وكانوا يتحدثون الآرامية وهي لغة السيد المسيح، إلا أن تاريخهم الحديث في بيت لحم بدأ منذ عام 1838م، وتكثف حضورهم منذ عام 1860 مع قرار كثير من حجاجهم البقاء في المدينة، وكل عشيرة سريانية أصبحت تعرف باسم البلدة التي قدمت منها، ولا تختلف الثقافة السريانية عن شقيقتها العربية كثيرا.

   ويأمل السكان أن تؤدي الجهود إلى إعادة إحياء حارة التراجمة إلى إعادة إدراج المدينة ولو جزئيا على الخريطة السياحية، بعد أن تضررت الصناعة السياحية فيها بشكل كبير خلال الخمس سنوات الماضية.

التعليق