"أجنحة ومدارات" لنصرالله و"أضواء المدينة" لزريقات: طاقة الاختلاف

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • "أجنحة ومدارات" لنصرالله و"أضواء المدينة" لزريقات: طاقة الاختلاف

افتتحا في دارة الفنون

 

محمد جميل خضر

 

   عمان - تجاور الفن التشكيلي مع التصوير الفوتوغرافي مع التصميم المعماري في دارة الفنون اول من امس مع افتتاح معرض التشكيلي محمد نصرالله "اجنحة ومدارات" والفوتوغرافية سيما زريقات "اضواء المدينة" وتمديد معرض التصاميم المعمارية الخاص بالمهندس المعماري سهل الحياري.

   وهذا التجاوز وان لم يخلق تقاطعات في التعبير الفني والرؤى الابداعية الا انه اشار على الاقل الى التنوع التعبيري وتعدد وجهات النظر الابداعية، وباستثناء شرط الاجادة والاتقان والاصالة "ليس بمعنى العودة الى الماضي ولكن بمعنى عدم التقليد" فان خيارات الابداع مفتوحة بلا حدود تؤطرها او شروط تكبحها.

فضاء من رخام

   وعبر 24 لوحة سيطر عليها اللون الرمادي وتكرر فيها الطير الذي صار يعبر عن اسلوبية خاصة به يحقق محمد نصرالله في معرضه الشخصي التاسع "اجنحة ومدارات" نقلة نوعية في مسيرته التي انطلقت اواخر ثمانينيات القرن الماضي وان كانت ملامحها الاولى ظهرت قبل ذلك بعقد من الزمان على الاقل.

   وتتلخص مفردات المغايرة في معرض نصرالله الذي تابع افتتاحه عدد كبير من المعنيين والمتابعين تقدمتهم التشكيلية الشريفة هند ناصر والسفير الفرنسي في عمان جون ميشيل كازا بانفتاحه على افق اكثر اتساع دون احداث قطيعة مع ما بدأه منذ معرضه الشخصي الاول "اناشيد التراب" في العام 1989، ومحافظته في معرضه الجديد مرورا بـ "طيور وفزاعات" 1992، "فضاء آخر" 1993، "ارض اخرى" 1996, "نوافذ" 1997, "عودة التراب" 2001, و"رؤى جديدة" 2005 على الثيمة الرئيسية في مختلف لوحاته الا وهي الاحتفاء بالوطن السليب، والاطلال عليه من زوايا عديدة، والوصول اليه بمفتاح الرمز الذي سعى نصرالله الحاصل على دبلوم فنون من المركز الثقافي الاسباني الى تحميله في معرضه التاسع بشعرية اكثر سريالية وكثف فيه فضاء الاحتمالات مع سيادة اللون الرمادي, وهو اللون المتحرر عادة من دلالات الارض بألوانها الاسمر والبني وتفرعاتها, والمقترب اكثر من افق السماء بما يعكسه هذا الاقتراب من نظرة اكثر انفتاحا على مفردات الكون وعلاقات البشر.

   وبذهابه الى الرمادي كعامل مشترك في مختلف لوحات معرضه المتواصل في دارة الفنون حتى 26 من كانون الثاني 2006 المقبل فان تناول نصرالله لقضيته المركزية يصبح اكثر انسانية واكثر قدرة على التأثر والتأثير المتبادل.

   وفي لوحات المعرض المنجز معظمها بزيت على خشب "ربعها فقط رسم بزيت على قماش" تنفتح الدلالات على اكثر من احتمال فالكرسي ليس دائما للاعتراف ربما كان رمز سلطة تبحث عن ابواقها الكثيرة, والحبل النازل من السقف/من الاعلى ليس دائما اداة شنق, ربما كان ضوءا يصدر شعاعا سريا!!

   وحافة الجسر ربما كانت وليمة خشبية مناسبة للطائر الذي حمله نصرالله المولود في العام 1963 دلالات كثيرة, فمرة يتحول الطير الى صارخ مهيأ للانطلاق, ومرة يصير عاشقا يعانق معشوقه, ومرة يصير الطير كائنا بحريا مبهم التفاصيل, ويترك نصرالله لخياله في معرضه التاسع العنان, وتقف سلالمه وادراجه في الهواء الطلق لا تفضي الى باب بل الى فضاء مفتوح, وفراغ كوني مرعب, ربما كانت طريق الصعود محفوفة عادة بالمخاطر, ولكنها في وعي نصرالله الابداعي مبنية على المجهول, مما يجعل ارتيادها مغامرة كبرى لا يقدم عليها الا العشاق والشعراء والمسكونون في الوطن حتى النخاع.

   كانت معظم الاشياء في لوحات المعرض معلقة منحها الفنان قليل من اليقين, واثث لها مساحة لا تكاد ترى من الارض الثابتة, ولهذا عانت معظمها من عدم استقرار تعبيري وذهني وجاءت معظمها كأنها تنتظر شيئا ما, يد مباركة ترخي عليها اليقين وتمسح عليها بمباركة طيبة وأدعية طاهرة.

   وربما كان اكثر ما تحتاجه 24 لوحة حملت احجاما متقاربة وارضيات متشابهة اعادة النظر في كل مرة يتم التجول امامها, انها لوحات تنتظر دائما النظرة الثانية وربما الثالثة او السابعة, لوحات لا تريدك ان تمر سريعا لان فيها مساحة غير قليلة من البوح ولانها واقعة في منطقة الالتباس بين مواصلة القبض على آخر حجر في جعبته من اجل الوطن ومن ترابه, وبين اطلاق مخزونه الانساني الشخصي الحميم والمحموم في آن, مخزون الاحتفاء بالحياة, وتنفس اوصالها والقبض على مكنوناتها وحيواتها ومجسات جمالها المصقول من مرمر ورخام.

ضوء الداخل

   وتبحث الفوتوغرافية سيما زريقات في معرضها الشخصي الثاني عن الامكانيات غير المحدودة للضوء وعلاقاته مع ليل المكان.

   وبعد رحلة طويلة مع اضواء العدسات, وتصويرها لمئات الصور من الطائرات والسيارات, ومن مختلف الزوايا وفي مختلف الحالات والمناسبات فان زريقات الحاصلة على العديد من دورات التصوير وشهاداته من اميركا ترتد اخيرا الى ضوئها الداخلي كما ذكرت في تصريح لـ "الغد" على هامش افتتاح معرضها "اضواء المدينة" اول من امس في دارة الفنون.

   وتقول "تحمل صور معرض الثاني دعوة للتفاؤل فجلها مأخوذ من الاسفل الى الاعلى كما تلاحظ".

   واشارت زريقات المشاركة في 10 معارض جماعية محلية وعربية الى ان الضوء في كل لوحة من لوحات المعرض تحول في وعيها الى منارة والى معنى روحاني.

   وحملت عودة زريقات الى الضوء بمعناه المجرد ابعادا شخصية والتفاتة ابداعية ويظهر في معرضها المتكون من 15 صورة وفيلم فيديو آرت حول نفس الثيمة جوهر التركيز على مصدر الضوء وليس الاشياء المضاءة فالصور التجريدية التي أخذت جميعها من اسفل المصابيح وباتجاهها تلفت انتباه المشاهد الى الداخل والخارج وتظهر اضواء المدينة كجسم محاط بخسوف وكأنه هالة مقدسة.

   ورغم ان الشوارع هنا حاضرة, الا انها غائبة عن المشهد الفعلي, لتوحي بأن ثيمات التحول والتغير ذات طبيعة داخلية, كما تطرح الاعمال اسئلة حول العلاقة المعقدة بين الضوء والظلام ويعد هذا المعرض جزءا من استكشاف دائم من قبل زريقات للضوء باعتباره فنا.

   ويتواصل على صعيد آخر معرض التصميم المعماري المقام في الدارة للمهندس المعماري سهل الحياري ومجموعته مشتملا على 11 مشروعا معماريا شارك في انجازها ليث الاسدي, رلى نجاتي, ساندرا الحياري, عبير صيقلي, عماد صليبي وشيرين تلهوني, فيما نفذت اسلام خريم مجسمات المشاريع, وقدم المناظير المعمارية جواد بلوطة وصور مجسمات التصاميم جان قسى.

   وشملت المشاريع تصاميم لمنازل ومطعم واستوديو او معرض ازياء وعكست افكارا معمارية فذة سعت لاكتشاف البيئة المحلية والانسجام مع معطيات المكان من ارتفاع وانخفاض ومصادر ضوء وهبوب رياح.

   وتبنت بعض التصاميم فكرة استخدام تقنيات البناء المحلية بما في ذلك الطوب الطيني, فيما تبنى مشاريع منها اعادة تصميم الاسوار الخارجية العلوية ومدخل مؤسسة خالد شومان "دارة الفنون" اضافة الى ترميمات عامة في الجزء العلوي من الدارة.

التعليق