كتاب جديد لـ "حرب" يجدد ويعدد القراءة في محنة المعنى

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً

هكذا اقرأ ما بعد التفكيك

 

زياد العناني

   عمان- يرى الباحث والمفكر علي حرب في كتابه "هكذا اقرأ ما بعد التفكيك" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ان ما حدث من توسع وتغير في استعمال مصطلح القراءة سواء في الحقل او المفهوم قد قلب العلاقة بين النص والواقع الى الحد الذي لم تعد فيه هذه العلاقة وحيدة الجانب والاتجاه بل اصبحت مركبة ومزدوجة او متداخلة وملتبسة بمعنى انها تتشكل وتبنى بتغيير كل واحد من الطرفين الداخلين في بنائها.

ويشير حرب الى ما تغير من جهة الواقع لافتا الى ان الواقع نفسه اصبح موضوع القراءة بقدر ما يعامل كنص ويقرأ بصفته مثقلا بالمعاني او محلا بالدلالات مما يجعله محتاجا الى من يتدبر معناه بالتفسير والتأويل.

   كما يشير حرب الى ان الاستراتيجيين يتعاملون مع المواقف والاعمال البشرية بوصفها "رسائل" تحتاج الى من يحسن قراءتها ويفك رموزها كما تقرأ احيانا التطورات السياسية مبينا ان الموقف الجديد الذي يتخذه احد اللاعبين على المسرح السياسي يعتبر رسالة موجهة الى خصومه وحلفائه على السواء وعليهم ان يحسنوا قراءاتها وتأويلها وعلى هذا النحو تعامل ايضا الاعمال الارهابية اي انها تقرأ كإشارات موجهة من طرف الى اخر يفترض فيه اخذ العلم او رد الجواب واتخاذ الرد المناسب.

ويلفت حرب الى ان القراءات تختلف وتتفاوت من حيث علاقتها بموضوعاتها وبالمواد التي تعمل عليها منوها الى انها قد تكون شرحا لنص او تفسيرا له وقد تتعدى التفسير والشرح لكي تكون تأويلا وصرفا لما يحتمله الكلام من المعاني والدلالات مؤكدا انها قد تتعدى التفسير والتأويل فتتجاوز المؤلف ومراده او المعنى واحتمالاته لكي تكون تشريحا وتفكيكا للبنى والآليات والمؤسسات التي تسهم في تشكيل الخطاب وانتاج المعنى.

   ويعتبر حرب ان الاقرب هو ان تتداخل هذه الانماط الثلاثة في كل قراءة اذ لا تخلو قراءة من شرح لما يراد قوله بالوقوف على مقدماته او تحليل عناصره كما لا تخلو من تأويل لما يفهم من الكلام او الخطاب لالتقاط ظلال المعنى او للوقوف على ألاعيب الكلام وكذلك لا تخلو قراءة من تفكيك لبنية المعنى للكشف عما يتأسس عليه من اللامعنى مما هو ليس بمفهوم او معقول او مشروع او حسن مشيرا الى اننا نفكك من اجل اعادة البناء والتركيب لاننا محكومون بالمعنى ولا معنى من غير ربط شيء بشيء على سبيل الترتيب النحوي او الاجتراح الدلالي او التركيب المفهومي لافتا الى ان القراءة لا تخلو من قدر من التحليل والتفكيك لبنية المفردات او لنظام الجمل او لسلاسل الكلام او لنسق العلامات من اجل اعادة الترتيب والتشكيل او البناء والتركيب.

   ويتطرق حرب الى التفكيك في ابسط اشكاله وافعاله مبينا انه مجرد فك للحروف لإدراك المعنى وقد يكون اشتغالا على المعنى بتفكيك بنيته واصوله او تعرية مسبقاته ومحجوباته او تبيان خدعه وألاعيبه او فضح سلطته وتحكماته للكشف عما يمارسه الكلام من الحجب والخداع والاعتباط او الادعاء والتحكم والمصادرة مؤكدا ان من مفاعيل النقد التفكيكي ان يبين بان ما يظن بانه بديهي او طبيعي او مطلق او جوهري او مركزي او ثابت او معقول او مشروع ليس هو كذلك اي يتكشف بعد التشريح والتحليل عما هو مبني وتاريخي وثقافي وعرضي ونسبي ومتحول وزائل معتبرا ان التفكيك بهذا المعنى قراءة في محنة المعنى وفضائحه للكشف عن نقائض العقل وانقاض الواقع او عن حطام المشاريع وكوارث الدعوات على ارض المعايشة الوجودية قاطعا بان ذلك لا يعني احلال طرف في الثنائية محل طرف او تغليب نقيض على اخر وانما يعني انه مجال للقبض على المعنى الذي هو دوما مثار الاختلاف والتعدد او الانتهاك والخروج او الالتباس والتعارض بقدر ما يشكل امكانا لاعادة البناء والتركيب مبينا انه من هنا جاء معنى "الارجاء" الذي يعني استحالة القبض في مسألة المعنى والحقيقة او المشروعية والمصداقية بقدر ما يضع حدا لارادة التأله والانفراد والاحتكار والمصادرة كما تتجسم في محاولات الالغاء او الاستئصال الرمزي او المادي للاخر والمختلف.

   ويرى حرب ان مسوغ القراءة وعلتها يكمن في ان المقروء اكان واقعا يستحيل نصا ام نصا يحول الواقع لا يقرأ بحرفيته وعينيته او ببساطته ومباشريته مؤكدا عند معطى المفعولية والاهمية والفائدة او الضرر والخطر وكذلك على شكل الوعي ونمط التفكير او على ادوات النظر وقواعد العمل ولافتا الى انه وبهذا المعنى ليس الشيء سوى مفهومه او عقلنته او قانونه او مؤسسته او كيفية توظيفه او طريقة استعماله واستثماره مشيرا الى ان القراءة الخصبة والفعالة تسفر ان امكان جديد نفهم معه ما كان مستعصيا او نفعل ما لم يكن مستطاعا وبصورة تجعل المستحيل ممكنا لانه اذا كنا نفعل ما نقدر عليه فقط او لا ننتظر الا ما نتوقعه فمعنى ذلك اننا نسير ما هو موجود او ننفذ برنامجا مسبقا في حين ان فعل الخلق يعني ان نفعل ما كنا نعجز عن فعله وبصورة تخربط نظام الاشياء بقدر ما تخرج على ما هو مستقر او مألوف او سائد ولذا فان المستحيل هو في النهاية ليس "عدم الامكان" وانما هو "غير ممكن" اي كما تأول مفهوم المستحيل لدى "جاك دريدا" واعيد صياغته على انه امكان مغاير يجترح ببناء مجاله او تركيب مفهومه او تجسيد بعده او انتاج حقائقه او خلق وقائعه بصورة غير مسبوقة ولا منتظرة.

التعليق