الصرع من الأمراض التي حيرت الباحثين

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2005. 09:00 صباحاً

    عمان-الغد-الصرع معروف منذ القدم وتسميته قديمة ولها معان وإيحاءات تعكس التفاسير القديمة لأسباب الصرع, فهو معروف باللغة اليونانية بالايبيليبسيا وتعني "يستولي على", وباللغة الانجليزية "سيزر", وباللغة العربية "الصرع".

   وتوحي جميع هذه المصطلحات بخضوع الجسم تحت سيطرة شيء ما, فكان المعتقد أن المصاب قد مسته روح شريرة لذلك كانت طرق العلاج آنذاك تهدف إلى اخراج تلك الأرواح.

   وهو من الأمراض التي حيرت الباحثين، بحسب موقع صحة الالكتروني, لكن معرفتهم به تتطور باستمرار، حيث ظهرت أدوية أكثر نجاعة وتحسنت تقنيات الكشف عنه بكثير. كما توصل الأطباء إلى طرق جديدة في الجراحة، وفتح باب الأمل في الأبحاث الخاصة بعلاقة هذا المرض بالوراثة.

ومضات على مرض الصرع

   الصرع مشكل صحي عصبي يتجلى بواسطة النوبات والأزمات الصرعية الناتجة عن تفريغ تلقائي للخلايا العصبية التي تكون في حالة تهيج مفرطة يمكن تشبيهها بعاصفة كهربائية، وينتج عن هذه النوبة حركات وحالة خارجة عن إرادة المصاب.

   ويمكن أن يستمر هذا المرض لشهور أو يبقى مدى الحياة مع انقطاع لمدة عشر سنين في المعدل، ويشفى50% من الأطفال المصابين بهذا المرض عند بلوغهم مرحلة المراهقة، بينما يضطر الباقون لملازمة الأدوية التي غالبا ما تكون ناجعة وتمكنهم من حياة عادية.

   فهذا المرض لا ينقص من العمر ولا من الذكاء ولا يخرب الدماغ، خلافا لما يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا خصوصا عندما نلاحظ حالة المريض أثناء النوبة، مثلا عندما يسقط لا إراديا على رأسه أو عندما يهتز اهتزازا .

   وينتج مرض الصرع في 5 إلى 10 بالمائة من الحالات نتيجة عوامل وراثية وفي40 بالمائة من الحالات نتيجة خلل في الدماغ (تشوه أو رضح في الجمجمة أو ورم ) .

   وتنشط الأزمات الصرعية بمساعدة عوامل كالتعب وتناول الكحول، ويبقى مصدر هذا المرض غير معروف عند نصف الحالات المصابة.

إن الحالة التي يكون عليها مريض الصرع توجب عليه عدم القيام ببعض المهام أو اتخاذ مهن معينة كسياقة الشاحنات أو سيارات النقل العمومي أو العمل في مكان مرتفع عن سطح الأرض أو التكلف بآلات خطيرة ، وتبقى الصلاحية للطبيب المختص وطبيب العمل لتحديد إمكانية قيام المريض بعمل ما.

أنواع الصرع وأعراضه:

   هناك نوعان من هذا المرض: الصرع العام (30% من الحالات ) والصرع الجزئي ( 70% من الحالات ).

   فالصرع الجزئي يتجلى في منطقة معينة من الدماغ ومن تم فإن الأعراض تتغير حسب المنطقة المصابة وأحيانا يصعب معرفة أنها نوبة صرعية، وتكون نوبات الصرع الجزئي بسيطة أو معقدة حسب المصاب إذا ما حافظ على اتصاله بمحيطه أو لا . ويمكن أحيانا أن تتحول إلى نوبة الصرع العامة حيث تبدأ العاصفة الكهربائية في منطقة معينة من الدماغ لتنتشر بعد ذلك في باقي الدماغ، وفيما يلي جرد لبعض الأعراض حسب نوع الصرع :

أعراض النوبة الجزئية البسيطة:

-يحافظ المصاب على اتصاله بالواقع

-يعاني من مشاكل متفرقة ( صعوبة في الكلام بطريقة سليمة، تقلصات وارتعاشات الأعضاء، تحرف صوتي وبصري...)

-مشاكل في الحواس ( شم وذوق مختلف...)

-مشاكل في المعدة

-إحساس بالغم والخوف

-مدة النوبة من ثوان إلى ثلاث دقائق

أعراض النوبة الجزئية المعقدة:

-فقدان ظرفي للاتصال مع الواقع

-آلية وتلقائية المصاب حيث يقوم مثلا بحركات بغير هدف ويتمتم ويظهر حركات المضغ

-لا يحتفظ المصاب بأي ذكرى من النوبة

-مدة النوبة من ثوان إلى ثلاث دقائق

أعراض النوبة العامة: فقدان الوعي والسقوط, وتصلب عضلي عام, وتشنج واختلاج إيقاعي, وكثرة الإفرازات اللعابية.

غيبوبة واسترخاء عضلي وقد يحدث معه تبول أو خروج براز, وغالبا ما يكون هناك تقيؤ, وارتباك عند اليقظة, ولا يحتفظ المصاب بأي ذكرى من النوبة .

ومدة النوبة 3 أو 4 دقائق لكن أحيانا يمكن انتظار 20 دقيقة قبل الرجوع إلى الحالة الأصلية

تطور الأبحاث العلمية في الكشف عن المرض وتتبعه:

   يركز تشخيص الطبيب على وصف حالة المريض أثناء أزمة الصرع، أو على نتائج النشاط الكهربائي للدماغ. ويقول البروفيسور ميشيل بولاك اختصاصي الدماغ والأعصاب ورئيس قسم بمستشفى باريس: يمكن التصوير بالرنين المغناطيسي من فهم سبب المرض لأنه يكشف عن أجزاء الدماغ المصابة. وإن أدوية الصرع لا تؤثر بنفس الطريقة، فقد يجب تجريب عدة أدوية قبل التوصل إلى الدواء المناسب، وأحيانا يجب على المريض تناول نوعين أو ثلاثة من الأدوية، في نفس الوقت.

   وفي السنين الأخيرة ظهرت أدوية جديدة مكنت من تحسين حياة المرضى ويمكن التوقف عن تناولها بعد بضع سنين، لكن 30 في المائة من أمراض الصرع لا زالت تقاوم هذه الأدوية .

   وإذا كانت المنطقة المصابة في الدماغ سهلة المنال فإنه يمكن إجراء تدخل جراحي، خصوصا وأن التقدم في التصوير الطبي مكن من تحديد البؤر المسؤولة عن هذا الداء.

   ففي السابق كانوا يصورون الدماغ في لحظة معينة أما اليوم فإنه بفضل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي تمكن الخبراء من تصوير نشاط الدماغ أثناء حصول أزمات الصرع أو قبلها.

   وإذا لم تنفع هذه الطريقة فإنه يمكن إدخال أقطاب كهربائية صغيرة جدا في المناطق العميقة من الدماغ، يوجهها الخبراء بواسطة آلة خاصة في اتجاه أماكن محددة مسبقا حيث تبقى هناك بضعة أيام لتسجيل النوبات.

   فبفضل هذه التقنيات أصبحت العمليات الجراحية أكثر دقة لأنها تمكن من تفادي المس بالمناطق الدماغية السليمة الخاصة بالكلام والبصر والتذكر.

   ويقوم الباحثون حاليا بدراسة جزيئات يمكنها أن تؤثر على الدماغ لمنع حصول مرض الصرع عند الأشخاص المؤهلين بالإصابة بهذا المرض مثل أولئك الذين لهم استعداد وراثي أو أصيبوا بأورام أو برضح في الجمجمة، بحيث تتدخل هذه الجزيئات لمقاومة توليد العمليات العصبية غير الطبيعية والشحنات الكهربائية التي تؤدي إلى حصول النوبات.

   بسبب الجهل بطبيعة الدماغ والفهم الخاطئ لحالة الصرع والأسباب المؤدية له يعاني الأشخاص المصابون بالصرع من العزلة الاجتماعية.

فالمجتمع ينظر إلى مرضى القلب و الربو و الأمراض المزمنة الآخرى بالرأفة والعطف والاستعداد للمساعدة ولكنه ينظر للمصابين بالصرع بالريبة والشك والخوف فيتجنبهم ويجعلهم في عزلة عنه.

   ونتيجة لذلك يضطر المصاب بالصرع أو أقاربه الابقاء على حالته سرا وفي طي الكتمان قدر الامكان تجنبا لتلك النظرة الاجتماعية الخاطئة.

هذا بالاضافة إلى انتشار الفكرة الخاطئة عن الصرع بأنه شديد الأثر على المصاب, إلا أن واقع الأمر أن الصرع مثله مثل باقي الأمراض الجسدية الأخرى فمنه الخفيف والمتوسط والقليل منه الشديد.

   ومع تطور الطب بدأ العلماء التعرف على جوانب كانت مجهولة في وظائف الدماغ وكيفية حدوث الصرع وما زالت هناك جوانب أخرى يجهلها الانسان.

التعليق