قصري: ثمة تابوهات كثيرة تقف في وجه حركة الترجمة وتعيق تقدمها

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • قصري: ثمة تابوهات كثيرة تقف في وجه حركة الترجمة وتعيق تقدمها

مترجم جزائري يشكو من انغلاق العالم العربي وخوفه من الآخر

 

حاوره: زياد العناني

عمان- يطرح المترجم الجزائري مدني قصري اهم اشكاليات الترجمة بدءا من انغلاق العالم العربي وخوفه من الانفتاح على العصر واقصاء التابوهات الكثيرة التي تقف في وجه حركة الترجمة ونقل فكر الآخر والاستفادة منه.

ويشير قصري في هذا الحوار الى ضرورة وجود الفكر الحر لنمو الترجمة التي تعد قناة للتواصل مع الآخر وفهم دوافعه وفلسفته ومخططاته لافتا الى ان اهمية الترجمة تأتي من كون الشعب العربي لا يستطيع ان يتقن لغات العالم وعليه فهي البديل المتاح للتواصل والحوار.

"الغد" التقت مترجم كتاب "ما قاله يونج حقا" اضافة الى كتبه: القرن الواحد والعشرون لن يكون اميركيا و"قصيرات روسيا" و"سنوات صدام" ورواية فتاة البرتقال وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته مع الترجمة وعوالمها التواصلية.

* ما هو جديدك الآن على صعيد الترجمة؟

- أعمل على ترجمة رواية جديدة ومجموعة كتب منها كتاب عن قصة فشل المفاوضات العربية الاسرائيلية, الكتاب مرجعي لأنه عبارة عن حوار مباشر مع المفاوضين انفسهم اي انه ليس كتابا يعتمد على الوثائق، وثمة كتاب عن الاردن من وجهة نظر باحث فرنسي عرف الاردن وعاش فيها وتناولها من جوانب عديدة سياسية وتاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية, اما بالنسبة للرواية فهي رواية لنفس كاتب رواية "فتاة البرتقال" "جوستاين قاردر" وهي لا تقل عن الرواية السابقة قيمة وجمالية.

* يقال ان المترجم في العالم العربي لا يعنى به, بمعنى ان المترجم في العالم الغربي له اتحاد يدافع عن حقوقه ويأخذ حقه عن تكلفة الترجمة ماذا تقول في هذا المجال؟

- السبب الاول في رأيي هو انغلاق العالم العربي امام الآخر بشكل غير عادي بمعنى ثمة خوف لا شعوري من الآخر وذلك فإن التركيز يهتم في المجالات العلمية, اي ان العالم العربي مواكب للعصر في مجال العلم والتكنولوجيا لكنه متأخر في مجال الفكر, والسؤال لماذا لأن العالم العربي ما يزال يعاني من تابوهات كثيرة وهذه التابوهات هي التي تقف في وجه حركة الترجمة ونقل فكر الآخر, اما في العالم فالحقوق شبه معدومة او مهضومة حيث يتم التعامل مع منقوح المترجم كأي سلعة في السوق تخضع للعرض والطلب بمعنى لا يوجد معايير ثابتة او تشريعات تقنن عمل الترجمة كمادة ثقافية وعلمية وابداعية ايضا.

* ما هي التابوهات التي تقف في وجه الترجمة؟

- الفكر الحر في العالم العربي بوجه عام من التابوهات هناك تابوهات دينية وسياسية وفلسفية واجتماعية, اعطيك مثالا لا يوجد اي بلد عربي يعطيك نسبة الانتحار في الوطن العربي وكذلك المشاكل النفسية المتعلقة بالعلاقات الجنسية, انا اطرح سؤالا محددا هنا لماذا لا يوجد في العالم العربي طب التحليل النفسي وهو الطب النفسي الذي يتعامل مع العقد والمركبات النفسية وعلى رأسها الغريزة الجنسية المكبوتة والتي هي احد اسباب العنف والتطرف الديني والاجتماعي في العالم العربي والعنف داخل الاسرة والعنف في الشوارع ناتج كله عن هذه العقد الكامنة في اللاشعور الجمعي والفردي للفرد العربي, في الغرب ثمة عيادات متخصصة في علاج المشاكل الجنسية بين الزوجين وهذه التابوهات الموجودة عندها, عودة الى التحليل النفسي هل يعقل ان نعالج عجزا جنسيا عند الرجل او المرأة بالعقاقير في حين ان هذا العجز له اسبابه النفسية التي لا تعالج الا بالوسائل النفسية, بمعنى ان الادوية التي يقدمها اطباء الامراض النفسية, ثمة تناقض بين ما تعيشه المرأة ايضا ما زالت من التابوهات في المجتمع العربي, فالاعلام العربي يسمح لك ان تكتب عن "الفياغرا" مثلا ولا يسمح لك ان تكتب عن المتعة عند المرأة بشكل علمي بعيد عن كل اثارة, ثمة حلول لهذه المشاكل التي تدمر اسرنا وتؤدي الى انحرافات كثيرة في جامعاتنا وشوارعنا لكننا لا نملك الوسائل لمعالجتها فيما هذه الحلول متوفرة عند العالم المتحضر ويمكن الوصول اليها عبر الترجمة, ما هي الترجمة? الترجمة قناة للتواصل مع الآخر حتى تفهم فكره ودوافعه وفلسفته ومخططاته, على صعيد آخر انا لا استطيع ان ارغم الشعب العربي بكامله على اتقان لغات العالم حتى يفهم افكاره ولهذا الترجمة هي البديل المتاح في هذه الظروف.

* برأيك لماذا تقلص فعل الترجمة الذي كان نشطا في بداية القرن العشرين وما هي اسباب الخسارة الآن؟

- هناك اسباب عديدة, في القرن الماضي حرية اكثر من الان وهذا الكلام عكس السائد, اطرح هناك كيف ان الازهر ساند فكرة وجود حياة ما بعد الموت وانه من حق الباحثين ان يبحثوا في مسألة الروح الخالدة في حين منعت بلدان عربية نشر كتاب "اتصال بالعالم الآخر" للوسطية الروحانية العالمية "روز ماري براون" مع ان هذا الكتاب يثبت وجود الله وليس فيه اي اساءة لأي دين، لم ينشر هذا الكتاب على الاقل لأنه يطرح فرضية وجود الروح التي هي موضوع علم ما وراء النفس "الباراسايكلوجي" وهو علم قطع شوطا كبيرا في العالم الغربي وفي روسيا تحديدا, لماذا نطلق الافكار المسبقة المبنية على الخوف قبل ان ندرسها ونخبرها ثم نحكم عليها, اعطيك مثلا آخر في مجال الطب الشعبي ثمة بعث لهذا العلم او لهذا الطب في اوروبا يجري الان على قدم وساق بينما يعيش هذا العالم بيننا بلا اهتمام يذكر, لقد ذكرت في بداية الحديث جملة من الاسباب التي قلصت فعل الترجمة اذكر ايضا ان حركة الترجمة في بداية القرن العشرين لم تكن حركة تجارية كما هي الان بل كانت حركة ثقافية نشطة وتنشد البحث العلمي والفكري من اجل مواكبة العصر كما اذكر ان المترجم في ذلك العصر يجمع بين الترجمة والادب في سلة واحدة مثل توفيق الحكيم وطه حسين, من كان يترجم الادب العالمي امثال هؤلاء لدرجة ان ترجماتهم احيانا تأتي اجمل واجود من النصوص الاصلية, الان من جملة عزوف القراء عن الكتب المترجمة هو رداءة الترجمة وانعدام جماليات اللغة والاسلوب فيها.

* يقال ان الترجمة خيانة للأصل, هل تعتقد ان ما يكتبه الشاعر العربي هنا يقرأ في صيغته ومعناه ام ان الامر مختلف؟

- الترجمة خيانة هذا مثل شائع يجب ان نتعامل معه بحذر وتحفظ, بداية لكل لغة خصوصيتها والمترجم كثيرا ما يصطدم او يصادف معوقات لغوية مثل عدم وجود المصطلح المقابل في اللغة الثانية, فكلمة "طرب" لا يوجد لها مقابل في اي لغة اخرى في العالم, اذكر ان نجيب محفوظ اضطر ان يستخدم جملة من عشر كلمات حتى يؤدي معنى الطرف في اللغة الفرنسية, الغربة مثلا هي كلمة خاصة بعالمنا العربي وهي مشتقة من كلمة غرب لأن الهجرات في العالم العربي تكون دائما باتجاه الغرب, كيف نترجم هذه الكلمة? عودة الى ان الترجمة خيانة للاصل اقول كيف يمكن ان تترجم مفردة بجملة طويلة دون ان تخل ببعض معانيها او دلالاتها كما هو الحال مع نجيب محفوظ, هذا هو النوع من الخيانة الذي يمكن له ان يحدث مع مترجم صادق ونزيه اما فيما عدا ذلك فالخيانة قائمة ومقصودة وغير اخلاقية الترجمة الامينة التي تعنى بالابداع يمكن لها ان تكون اجمل من النص الاصلي وهذا مفقود في ايامنا هذه مع الاسف.

التعليق