حينا: أشعر بالمحبة تجاه المدن العربية وأخشى عليها من المحو أو الاختفاء

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • حينا: أشعر بالمحبة تجاه المدن العربية وأخشى عليها من المحو أو الاختفاء

شاعرة ترى أن الكتابة الناجحة لا تكون مشروطة

 

حاورها: زياد العناني

   عمان-تحاول الشاعرة دلال سفر حينا التأسيس لعلاقة جديدة مع الطبيعة بكل تنوعاتها من خلال اعلان طقس كتابي غير محدد، او مجنس خصوصاً في مجموعتها الثانية "رسم على الغبار" التي تتحدث فيها عن المطر وشقائق النعمان وعطر الياسمين وشذى الجسد بلذة رومانسية لم تندحر رغم التسارع العصري وكذلك الغبار الذي تعتقد هذه الشاعرة بأنه ينال من كل شيء.

   "الغد" التقت الشاعرة حينا وكان هذا الحوار الذي تطرقت فيه الى تجربتها الكتابية وهواجسها الابداعية اضافة الى سعيها نحو التفاصيل الصغيرة بدلاً من القضايا الكبرى .

*بعد مجموعتين من الشعر "الهمس اقوى الاصوات" و"رسم على الغبار" ما هو جديدك على صعيد الكتابة الشعرية الآن؟

-في الوقت الحالي يستغرق وقتي العمل الصحافي ويستغرق تفكيري خصوصاً انني اعمل في مجلة بعيدة عن اهتماماتي الادبية وهي مجلة "ابعاد" المختصة بالهندسة والانشاء وهي مجلة عملية وعلمية لا تجنح للخيال والابداع الادبي. عندي فكرة لمحاولة كتابة جديدة تأخذ مجال القصة القصيرة اعتقد انك حتى تكتب يجب ان تحافظ على الحالة التي تثير شهية الكتابة عندك ثم الاستغراق فيها. في الوقت الحاضر ثمة اشياء كثيرة تأخذني من عوالم الكتابة.

*من خلال كلامك يبدو ان الكتابة لم تعد هاجساً دائماً؟

-لم يندحر اهتمامي بالعمل الادبي وانما تقلص بفعل احساسي بالمسؤولية تجاه الكلمة التي سأكتبها احياناً اقف متسائلة مع نفسي عن الجرأة التي كنت امتلكها بحيث خرجت بمجموعتين ربما لو فكرت بالامر اكثر او كما أراه الآن لترددت كثيراً وهذا لا يعود لعدم ايماني بما كتبته او لاني أراه دون المستوى ولكنني اؤمن الآن اكثر بمفعول الكلمة وقيمتها ولا امتلك الآن اندفاع الشباب. لقد تغيرت مع الايام كما تتغير كل الاشياء من حولي في البداية كان اهم شيء عندي هو ان اترك بصمة ما تغير التاريخ والآن اكتشفت ان اسهامي واسهام غيري لن يغير في الامر شيئاً فصنع التاريخ يحتاج الى مساهمات متنوعة وكثيرة تتجاوز جهدي الشخصي. في العمل الاول قدمت تجربة شخصية عن الغربة وشجونها حاولت فيها ان اكشف هذه الغربة اما التجربة الثانية فكانت منقسمة بين حالة الهدوء وحالة الحب الشخصية وبين الحالتين بقيت في عالمي الشخصي. الآن صرت اعرف انني اذا أردت ان اترك اثراً فعالاً يجب ان امتلك ادواتي والصور واكون اكثر شمولية ومتعددة لخلق الجديد.

*برأيك ما هو الاقتراح الجمالي الجديد الذي تطمحين إليه؟

-انا اعتبر ان الكتاب الناجح لا يقيم ضمن قواعد وشروط بالنسبة لي. عندما امسك كتاباً واقرأ اشعر بأنني لن اتركه واشعر بأن هذا الانجذاب خلفه حالة ابداعية. نحن عبر التاريخ نعالج القضايا نفسها مسألة الوجود ومسألة الخلق ومسألة الخلود ومسألة الموت. هذه حب الاطر التي يجيء تحتها الحب والكرة والفرد والغضب والحزن والسعادة. نحن حينما نكتب، فاننا نفعل ذلك تحت مظلة هذه الاشياء فالجديد عندي ما هو الاسلوب وما هي الاضافة التي سأقدمها. لقد أصبحت عندي قناعة تامة بأنني لن اقدم اضافة كبيرة في معالجة مسألة الخلود مثلاً التي تناولتها ملحمة جلجامش قبل الآلاف السنين الاضافة عندي تأتي من المحيط والمعاش. فالموضوع هو نفسه والجدلية القائمة نفسها.

*هل تقصدين انك تلتقطين التفاصيل الصغيرة بدلاً من القضايا الوجودية الكبرى؟

-شجرة الياسمين موجودة. زهرتها موجودة. وكل واحد منا يتلقى عبق هذه الزهرة بطريقته. ثمة أناس يمرون بها مرور الكرام وثمة من يتوقف عند تفاصيل هذه الشجرة وكذلك الرصيف الموجود الذي أحن اليه خصوصاً ارصفة مدينة دمشق التي اشعر بعلاقة لا اعرف كيف وصلت الى هذا الحد من الحنين والشوق الدائم. الرصيف بات حالة وليس مجرد حجر بالنسبة لي. كل مدن العالم وبشكل خاص المدن العربية حين ازورها اشعر بالمحبة تجاهها واخشى عليها من المحو والاختفاء وضربات الزمان لكن دمشق اخاف عليها كما اخاف على ابني وهذا شعور حقيقي ورائحة الياسمين عندما تعبق بأنفي ترتبط فوراً بصورة دمشق.

*ماذا عن الحب الذي تمثل في مجموعتك الاخيرة "رسم على الغبار"؟

-لدي وجهة نظر اعيشها واطبقها وهي ان الكره يعذب صاحبه لذلك لا استطيع الا ان احب. صادقت الكثير من الناس الذين اعتبروا ذلك ضعفاً الا انني ارى في الحب القوة والقدرة على العطاء. كل الاشياء التي تحيط بنا ان لم نشعر بالحب تجاهها فإنما نحن نقبلها على مضض ولذلك نلغي الاحاسيس الممتعة في حياتنا. فوجبة الطعام مثلاً تحتاج منا الى الحب كي نستطيع ان نطبخها ونأكلها بسعادة.

*ثمة انتماء للحزن والطبيعة في جل كتاباتك برأيك ما هو السبب؟

-الحزن يزورني كل يوم. قد احزن لأقل سبب مع انني أميل للفرح ربما ادراكي لقسوة الحياة على الانسان يجعلني اتذوق الحزن كما اتذوق الفرح فهناك اشياء كثيرة احن اليها فأنا ما زلت ابكي حضن امي التي رأيت عذاباتها بسبب المرض في سن مبكرة وابكي طفولتي التي هدرت على عتبات الواقعية فالعالم من حولنا لا يتعامل معنا بالرومانسية التي نتوقعها. الحزن مثل الملح والفرح مثل السكر وكلاهما جزء منا. اما الطبيعة فحين اكون فيها لا اكتب لانني احاول ان اتمتع بكل ما فيها. ففي السماء سحر لا يتخيله عقل مر، وفي الغابات رهبة وعمق وجمال لا استطيع تصوره وكذلك البحر والاصغاء لكل ما يصدر عنه من متعة حقيقية اذكر انه وفي احدى الليالي انقطعت الكهرباء ففهمت معنى الصمت واحسست به كما لو لم اشعر به من قبل. تخيل ان يغيب الضجيج الذي يصدر عن كل الاجهزة الكهربائية التي نمتلكها وعن اعماقنا التي يحيط بها الصمت من الجوانب كافة. الصمت هنا هو ما توفره الطبيعة وهذا ما اقصده بالمشاعر التي تخلقها الطبيعة التي احب ان انتمي اليها في كتاباتي وفي حياتي ايضاً.

التعليق