الليبيون يبكون مصطفى العقاد

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • الليبيون يبكون مصطفى العقاد

 لندن - خيمت أجواء من الحزن والأسى على الشارع الليبي، بعد تلقيه نبأ رحيل المخرج العالمي ذي الأصول السورية "الحلبية" مصطفى العقاد، صاحب أكبر فيلم صور ملحمة الجهاد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي، ورسم نقوشها في شيخ المجاهدين "عمر المختار".

فمنذ أن تناقلت وسائل الإعلام خبر إصابته في تفجيرات عمان، التي وقعت الأربعاء وأحاديث معظم الناس، وحكاياتهم وسط المقاهي، لم تتوقف عن الإشادة بمخرج بطل تاريخهم المجاهد عمر المختار، الذي جعلهم يتباهون به أمام أعين العالم جميعا، ويشيدون به وبفيلمه الآخر "الرسالة"، الذي شارك فيه عدد من الممثلين الليبيين.

غير أن قضاء الله كان أسرع من دعواتهم له بالشفاء، فلفظ العقاد أنفاسه الأخيرة صبيحة الجمعة في مشفاه بعمان. ليلحق بابنته بعد يوم من رحيلها هي الأخرى في باحة فندق"حياة عمان".

لم ينجح العقاد في إبراز جوانب مشرقة من الجهاد الليبي فحسب، بل إنه نجح في فضح ممارسات الاستعمار، وأماط اللثام عن صورة المحتل البشع، أينما كان، وربط الماضي بالحاضر، وجسد به نموذجا لما كان يفعله الاستعمار في جميع بلدان العالم الإسلامي.

لقد كانت صورة ذلك الشيخ الجليل بلباسه التقليدي المتواضع، وهو يلوح على وجهه بمروحة يدوية، ويمسك بلوح القرآن، ويستمع لأطفال"الكتاب" يتلون: "الرحمن.. علم القرآن.. خلق الإنسان.. علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان.. والنجم والشجر يسجدان.. والسماء رفعها ووضع الميزان".. ثم يلتفت إليهم تحت نظارة ارتسمت صورتها في أذهان الملايين.. تلك النظارة الفضية الرقيقة، ستسقط لاحقا في مشهد الإعدام، الذي أجج به العقاد قلوب ملايين المشاهدين، واستنزل به دموع الكبار والصغار..

فيسألهم الشيخ: ما هو الميزان يا أولاد؟ ولماذا نستعمله؟ وينكش أحدهم طفلا بريشة الصمغ.. ويتسلل آخر خفية تجاه باب المسجد .. فيلح المختار في السؤال ويصيح: يا أولاد! فيلحق البقية بصاحبهم صوب عرس، بعد أن تتكدس ألواحهم بعضها فوق بعض، في مشهد لا يتذوق جمال تفاصيله، إلا من تتلمذ على هذه الألواح..

مشاهد وصور تراءت أمام الليبيين، وهم يتلقون خبر رحيله، ويستذكرون معه ذلك المشهد الساخن من تحقيق الجنرال الإيطالي "غراتسياني"، وهو يسأل شيخا مسنا تجاوز السبعين وقع في أسره:

لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة؟

المختار: من أجل ديني ووطني.

غراتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟

المختار: لا شيء إلا طردكم… لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا، وما النصر إلا من عند الله.

غراتسياني: بما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟.

عمر المختار: لا يمكنني أن أعمل أي شيء… وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح…

أو من ينسى مشهد المحكمة التي أبدع "العقاد" في تصوريها، ووضع الملايين خلف أسوارها، يسترقون أسماعهم من وراء شاشاتهم، في حوار لم يختلف عن محاكم العصر:

رئيس المحكمة الإيطالية: اسمك وعمرك؟

المختار: اسمي عمر المختار وأبلغ من العمر 74 سنة.

الرئيس: أنت قاتلت ضد من؟

المختار: قاتلت ضد الحكومة الإيطالية.

الرئيس: في كم معركة اشتركت؟

المختار: معارك كثيرة، لا أستطيع حصرها، وحتى المعارك التي لم أشارك فيها كان خوضها بأمري.

الرئيس: وأطلقت أنت النار أيضاً؟

المختار: نعم مرات عديدة.

الرئيس: هل أصدرت الأمر بقتل جميع الأسرى؟

عمر المختار: الحرب حرب.

الرئيس: كيف ألقي القبض عليك؟

عمر المختار: نشب القتال بالقرب من الزاوية البيضاء.. أصبت بجراح وهويت من على صهوة الجواد، الذي قتل، ومن ثم قبض على جنود الحكومة.

الرئيس: هل كانت معك بندقية؟

عمر المختار: كانت معي بندقية وستة مخازن.

النقيب لونتانو عضو هيئة المحكمة: هل تقاضيت من الحكومة الإيطالية في أي وقت من الأوقات مرتباً؟

عمر المختار: كلا ... أبداً.

وبعد ساعة صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت، وعندما ترجم له الحكم، تنهد المختار وقال:"إن الحكم إلا لله.. لا حكمكم المزيف.. إنا لله وإنا أليه راجعون".

العقاد الذي أجاد في إخراج هذه المشاهد ببراعة ودقة متناهية، لم يفوت أبدا فرصة إظهار الضابط الإيطالي الشاب، الذي وقف في مرافعته عن عمر المختار قائلا "إن هذا المتهم الذي انتدبت للدفاع عنه: إنما يدافع عن حقيقة كلنا نعرفها، وهي الوطن الذي طالما ضحينا نحن في سبيل تحريره.. إن هذا الرجل هو ابن لهذه الأرض، قبل أن تطأها أقدامكم، وهو يعتبر كل من احتلها عنوة عدو له، ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة، حتى يخرجه منها، أو يهلك دونها.. إن هذا حق منحته إياه الطبيعة والإنسانية.. إن العدالة الحقة لا تخضع للغوغاء، وإنني آمل أن تحذر محكمتكم حكم التاريخ، فهو لا يرحم.. إن عجلته تدور وتسجل ما يحدث في هذا العالم المضطرب".

التعليق