العقاد: رسالة توجت بالشهادة فوق تراب عمان

تم نشره في السبت 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • العقاد: رسالة توجت بالشهادة فوق تراب عمان

محمد القطاونة

 عمان-   "مخرج هنا هو مخرج هناك.. لا فرق بين مخرج ومخرج، وإذا أردت أن تقارن فلا بد أن تتوافر التقنية للاثنين.. الإبداع هو الإبداع, الإبداع ليس به عالمية بل هو في حد ذاته لغة عالمية"  لم يقل المخرج الراحل مصطفى العقاد كلماته تلك على سبيل التواضع، وإنما من قناعة أكيدة بأن السينما العالمية والغربية لا تتفوق على العربية في الطاقات والإمكانيات الإبداعية الفردية، بل في جانبها التقني والاقتصادي والآليات التي تحكم العمل وإنتاج الأعمال السينمائية، وضرب مثالا على ذلك بأداء عبد الله غيث في النسخة العربية من فيلم "الرسالة" والذي تفوق فيه في كثير من الأحيان على أداء النجم الكبير أنطوني كوين الذي أدى الدور نفسه في النسخة الإنجليزية للفيلم.

  "مصطفى العقاد"  اسم كبير غاب عن المشهد الاعلامي العربي طويلا , وقد لا يتذكر البعض الاسم، لكن يكفي أن نقول: إنه مخرج فيلمي" الرسالة" و"عمر المختار"  لتنشط ذاكرتهم، وليدركوا أهمية الرجل، وليسألوا عما أنجزه المخرج الكبير بعد هذين الفيلمين اللذين لا نكون مبالغين لو قلنا إن واحدا منهما كان كافيا لينحت اسمه على صخرة المخرجين العالميين الكبار.

  كان القدر في انتظار المخرج العربي العالمي"مصطفى العقاد"، الذي قدم من خلال أعماله الإسلامية والعربية صورة مشرقة وصل بها إلى العالمية بجدارة سبق بها غيره وحفر بها اسمه في عالم الإخراج والإبداع، ليرسم نهاية صاحب "عمر المختار " والرسالة" ليقضي شهيدا على تراب عمان متأثرا بجراحه التي اصيب بها نتيجة الاعمال الارهابية التي وقعت في عمان الاربعاء الماضي.

  ولد مصطفى العقاد في حلب هذه المدينة الصغيرة التي حملها في قلبه دائماَ، حيث بدأ حبه للسينما بسبب جار له يمتلك قاعة عرض صغيرة يعرض بها افلاماً سينمائية، وكان يأخذه في الصغر ليتابع كيفية عرض الأفلام وكيفية قص المشاهد الممنوعة. ومع مرور الوقت أصبح مولعاَ بالسينما، وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره قرر أن يصبح مخرجاَ سينمائياَ وفي هوليوود تحديداَ. ويا لها من ردة فعل لأهالي حلب بعد أن باح لهم بأحلامه فقد أضحى أضحوكتهم ... وقالوا له "احلم على قدك، اذهب الى الشام أو مصر لتدرس الإخراج هناك" لكنه كان مصمما على دخول عاصمة السينما العالمية هوليوود.

   كان العقاد فرداً من اسرة فقيرة اذ كان والده يعمل موظفاً في الجمارك وكانت فكرته بالعمل الفني مرفوضة اجتماعياَ لكنه قرر وعقد العزم حينما كان طالباً في احدى المدارس الأمريكية فقدم طلباَ لجامعة " يو سي ال آي " وشاء الحظ أن يحظى بقبول, عندها قال له والده "افعل ما تشاء لكنني غير قادر على اعانتك ماديا" و مكث عاما كاملا يعمل لكي يوفر ثمن بطاقة الطائرة، وقبل رحيله أعطاه والده مصحفاً و 200 دولار فهذه كانت أقصى قدراته .

  سافر إلى الولايات المتحدة لدراسة السينما عام 1954، درس الفنون المسرحية في جامعة كاليفورنيا وتخرج منها 1958، كانت رحلته شاقة، فلقد ذهب فقيرا على الصعيد المادي لكنه غنياً بطموحاته.

   لدى وصوله الى اميركا، وعلى مقاعد الدراسة ومع الاختلاط بجنسيات عدة اكتشف أنه لا ينقصه شيء وان انتماءه العربي والاسلامي ميزة اضافية له، وبعد هذا الاكتشاف حدث انقلاب في تفكيره ومركب النقص الذي كان قد حمله معه من حلب تحول الى ثقة، ومن هذه النقطة بدأ ينقل الخبرة إلى وطنه وصمم على ان يقدم لأمته خلاصة تعبه وتصميمه وذلك عن طريق الأفلام السينمائية، وتوجه الى التاريخ.

   كان طريقه شاقا بمعنى الكلمة وكون اسمه "مصطفى" هذا وحده يشكل صعوبة كبيرة. كان بامكانه أن يغيره ليستطيع ممارسة عمله بسهوله ولكنه رفض واصر على بقاء هذا الاسم الذي اورثه اياه والده فقد كان ما يزال متشبثاً به، وتابع عمله باصرار وفرض على الجميع في هوليوود وخارجها احترام اسمه، فقد احترم العقاد نفسه الامر الذي فرض على الاخرين احترامه، وكان يعاني من عدم اعتراف الاخرين باخطائهم وان هناك "شماعة" يعلق عليها الاخطاء.

  يرى العقاد بان هناك موجة تطرف خطيرة، بدأت تظهر في العراق بشكل فجائي، فالتطرف هو عين الجهل ولا يقصد التطرف الديني فقط فالتطرف في مفهومه العام هو عامل إضعاف للكائن البشري. رّكز على الإعلام الخارجي و أراد أن يقدم تعريفا للحضارة الإسلامية وتقديما لصراعاتنا مع الحضارات وبعده انتشار الإسلام، اذ يظل الأساس هنا في بلداننا العربية لذلك اراد التركيز في المرحلة المقبلة على الإعلام الداخلي.

   كان يرى إن نجاح أي فيلم سينمائي وانتشاره مرتبط بالجمهور وبالارباح التي يحققها، ولا يكون ذلك بالاسفاف بل بالنزول اولاً إلى الجمهور أيا كان مستواه ثم محاولة رفعه بطريقة غير مباشرة وليس بالغموض أو التعالي عليه والحذلقة في اللغة السينمائية.

   اذ لا أوسكارات ولا جوائز كان ولا نقاد ولا أوسمة تساوي أي فيلم ينجح على الصعيد الجماهيري وإذا استطاع أي مخرج سينمائي أن يصنع فيلما جيدا جدا يصل إلى حد وصفه بانه تحفة فنية ولكنه ان لم يصل للجمهور فهو فيلم فاشل جدا, اذ يعتبر السينمائي همزة الوصل بين الفكرة والفن وبين الجمهور والنجاح يكون في كيفية جعله يتفاعل مع الفيلم بان يبكي، ويضحك، ويتألم، ويتحمس.

   اخرج العقاد زهاء 25 فيلما في هوليوود، على الرغم من ان الـ 15 سنة الاولى في الولايات المتحدة الاميركية كانت للدراسة وليس لمباشرة عمل الاخراج السينمائي اذ لم تكن البداية سهلة في هوليوود، أخرج عام 1976 فيلم "الرسالة" وهو أول فيلم عن الإسلام يتناول جزءا هاما من السيرة النبوية الشريفة ويتوجه إلى الجمهور الغربي.

قد صدر الفيلم بنسختين عربية وإنكليزية من بطولة أنطوني كوين، حيث تعتبر "الرسالة" اول تجربة سينمائية من نوعها في العالم، بعد ان وجد ان الفنان العربي لا يختلف عن الفنان الاجنبي اذا توفرت له الظروف والامكانيات الفنية نفسها، وهذا ما حصل مع الفنانين عبدالله غيث وانطوني كوين، على الرغم من تفوق احدهما على الاخر في مشهد معين، وتفوق الاخر في مشهد اخر، وعلى الرغم ان نسخة الرسالة العربية اطول من النسخة الاجنبية، لأن الجمهور العربي يعرف حيثيات الفيلم اكثر.

 كان لفيلم الرسالة تأثيرا كبيرا في الغرب، خصوصا وان العقاد قد ركز على التسامح الاسلامي مع المسيحيين بهدف شد الجمهور الغربي. خصوصا في مشهد النجاشي الشهير اذ اظهر ايمان المسلمين بالسيدة مريم، والرسول عيسى عليه السلام، واستخدم هذا المشهد في دعاية الفيلم الذي دفع الناس لحضوره.

   وحين يتحدث العقاد عن أفلام الرعب والأكشن التي يقدمها فيشير إلى أنه يؤمن تماما بما قاله الرئيس الليبي معمر القذافي: "في الحاجة تكمن الحرية"، مؤكدا على أنه لو كان محتاجا فقد حريته، ولا بد من أن يقدم تنازلات ليعيش هو وأسرته، ومن هنا يؤكد العقاد أن تلك الأفلام جعلته حرا، ويستطيع أن يقول لا، هذا يعجبني وهذا لا يعجبني، وغير مضطر لصنع أفلام يقدم فيها أي تنازل سياسي أو أخلاقي.

  قام العقاد بعمل فيلم وثائقي عن حياة جمال عبد الناصر باللغة الإنجليزية لمدة 4 ساعات كان محمد حسنين هيكل هو الذي يروي الأحداث خلالها، مشيرا إلى أن هذا الفيلم لم يُعرض في الولايات المتحدة بسبب وجود حدثين هما تفجير اليهود لسينما لافون بالقاهرة، وهي ما عرف باسم فضيحة لافون، وحادث الباخرة ليبرتي الأميركية والتي ضربها الإسرائيليون في البحر المتوسط , والفيلم نفسه قال العقاد إنه أنجز منه نسخة عربية في 7 ساعات لم تطلب محطة عربية واحدة عرضها لأسباب لا يعرفها.

   في عام 1978 اخرج العقاد فيلم الرعب "هالوين" (1978)، والذي اشتهر في هوليوود، أخرج سنة 1980 فيلم "عمر المختار" , وهو ناطق باللغة الانجليزية والذي يتناول نضال الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي والذي أظهر فيه للعالم كيف أننا كنا نحارب دفاعا عن أرضنا بشرف ضد غزاة مارسوا كل أنواع الخسة والبشاعة ضدنا، وكيف كنا شرفاء في خصومتنا حتى لو كانت مع المحتل.

   استمر العقاد بالبحث لما يزيد على عشرين عامًا عن ممول لفيلم صلاح الدين, والذي رشح لبطولته النجم العالمي "شين كونري"  على الرغم من تبني الكثيرين لتمويل هذا الفيلم اذ إن أغلب هذه المفاوضات تعطلت لأسباب لا علاقة لها بالسينما، ولا علاقة لها بالمنطق حيث سرد العقاد في احدى المقابلات معه عن أمير عربي عرض عليه أن يمول مشروع الفيلم نظير إقامته لعلاقة خاصة جدًّا مع بطلة الفيلم التي ستكون نجمة عالمية اختارها هو، وحكى عن نظام سياسي ألمح إلى إمكانية تمويله للمشروع في مقابل أن يقوم العقاد بإخراج فيلم عن رأس هذا النظام، وحكى أيضًا عن مخرج ومنتج عربي تفاوض معه حول تمويل الفيلم نظير إدخال تعديلات على السيناريو؛ رآها هذا الشخص بسيطة، ورآها العقاد في منتهى الخطورة، وتنسف الهدف من المشروع ككل.

  العقاد أكد - كما قلنا من قبل- أنه منذ سنوات طويلة وهو يخوض مشروعات تمويل عديدة، لكنها كانت مشروطة، مؤكدًا أنه مستعد للتفاوض بشرط ألا تكون هناك تنازلات سياسية، وبعيدًا عن المواقف والمبادئ ومن دون أن أضطر إلى عمل فيلم عن شخوص تستحق سيرهم أن تخرج للناس على عكس ما يريدون هم تمامًا.

   وعلى الرغم من ان هناك أكثر من عمل فني عن صلاح الدين, منها على سبيل المثال لا الحصر فيلم يوسف شاهين "الناصر صلاح الدين"، ومسلسل حسام الدين مصطفى "نسر الشرق"، الا ان هذه الاعمال بحسب ما اكد العقاد وعلى الرغم من أهميتها الا انها تخاطب المشاهد العربي الذي صنعت هذه الأعمال له ومن أجله، وإنها أعمال أنتجت باللغة العربية وللسوق المحلية، وان شخصية صلاح الدين كان لا بد أن نقدمها للعالم الخارجي، ولن يتحقق ذلك إلا بعمل يخاطب الجمهور الأجنبي بلغته، ويقوم بالتمثيل فيه ممثلون يعرفهم المشاهد الأجنبي، ويقبل على أفلامهم حتى يتحقق للفيلم الإقبال الجماهيري المطلوب، إضافة إلى تقديم الفيلم لرسالته بطريقة تتفق وطريقة التفكير الأجنبية.

  كان هدفه الأساسي من هذا الفيلم هو تقديم تراث الأمة العربية، وفيما يتعلق بصلاح الدين فذلك لاعتباره أنسب شخصية يمكن ان نقدمها الآن للغرب لتتحدث باسمنا أو بالنيابة عنا؛ لأن الغرب والأمريكان يتحدثون عن الإرهاب الديني، وأن وضعنا العربي يشبه وضع العرب أيام صلاح الدين، ويشرح ذلك بقوله: "دويلات منقسمة ومفككة وتحارب بعضها بعضًا، وصلاح الدين هو الذي وحّدها وجمع كلمتها، وقام بتنظيف أنظمتها؛ فاستطاع أن يهزم الصليبيين ويقهرهم، وأنا من خلال فيلمي أريد أن أقول: إننا في حاجة إلى مثل هذا الرجل الآن، أو نحن في حاجة إلى اتباع سياسته, حتى نواجه التحديات، وحتى نتغلب على المتربصين بنا".

   والعقاد متزوج ولديه 3 صبيان وبنت واحدة اسمها ريما متزوجة من زياد الملا وتعيش معه في طرابلس / لبنان ولا علاقة لها بالفن، اما اولاده طارق، مالك، زيد، فقد اطلق اسم زيد على ابنه بعد لقائه بالامير زيد بن شاكر رحمه الله والصديق رئيس مجلس الاعيان زيد الرفاعي لمحبته لهما، وتأثيرهما الكبير عليه، والواقع ان مالك فقط الذي اتجه للسينما ويعمل مخرجا.

أصيب المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد وتوفيت ابنته في التفجيرات الإرهابية التي استهدفت ثلاثة فنادق في العاصمة  عمان والتي راح ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى . وقد وصل العقاد الى الأردن لحضور حفل زفاف الجمعة المقبل في العقبة، كما وصلت ابنته من بيروت الأربعاء يوم الانفجار، وكان العقاد في بهو فندق "حياة عمان" يستقبل ابنته لحظة وقوع الانفجار ما أسفر عن مقتلها على الفور, ورغم ان المخرج قد نزف كثيرا من رقبته إلا أن مصادر طبية أفادت أن حالته ليست خطيرة, وبقيت حالته تتأرجح الى ان اعلن عن استشهاده امس بعد رحلة حضارية وانسانية ثرية.

 

 العقاد -  سيرة ذاتية

1933 ولد في حلب .

1954 سافر الى الولايات المتحدة الاميركية لدراسة الفنون المسرحية.

1985 تخرج في جامعة كاليفورنيا

1976 اخرج فيلم الرسالة

1978 اخرج فيلم الرعب "هالوين"

1980 اخرج فيلم "عمر المختار" (بالإنكليزية)

2005  استشهد في الاعتداء الغاشم على الاردن

التعليق