يوسف إدريس وتحولات الواقع السياسي والاجتماعي

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً

 عمان-الغد-  يرصد كتاب "يوسف إدريس وعالمه في القصة القصيرة والرواية" للمؤلف عبد الرحمن أبو عوف خلال عرض بعض رواياته علاقات موهبته الابداعية بتحولات واقعنا بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والأخلاقية في الاربعين سنة الماضية ويغرق على الفور في عالم فنى متجسد بالصورة والرمز والنمط. وبين المؤلف كيف تخلصت القصة القصيرة عند يوسف إدريس من أمراض التأثر بالقصة الأوروبية عند جي دي موباسان، وتشيخوف، وهيمنجواي.

وتناول المؤلف يوسف إدريس بين مرحلتين، فاختار قصتين كتبهما يوسف ادريس في بداية حياته الأدبية وهما: أرخص ليالي، وقصة مشوار، وقصتين أخريين هما الذمة والأمانة، وقصة نشرت بجريدة الجمهورية تحت اسم "ما خفى أعظم" ومن خلال هاتين المرحلتين يبين المؤلف مدى الفرق بينهما من خلال التناول النقدي لقصص كل مرحلة.

 وفي كتابه يدعو أبو عوف تأمل عالم يوسف إدريس القصصي وذلك من خلال بعض الدراسات النقدية التي لم تخل من بعض الخلافات والخصومات، برغم الصداقة والحب التى كانت تجمعهما، فيذكر المؤلف أن كتابات يوسف إدريس قد جسدت من زمن بعيد، ولحد ما، مجد المدرسة الواقعية الاشتراكية المجهضة، فى أدبنا الحديث، فلقد تبعت كتاباته الأولى في إطار مرحلة المد الثوري لاستكمال مهام الثورة الوطنية وساهمت بصدق مع جهود وأبناء جيله في صياغة فجر الثورة الاشتراكية التي كان وما زال مجتمعنا يحملها في أحشائه، ومن تلك هذه الأعمال مجموعة قصصية تمتليء بالحيل والأعاجيب، والتى تضمنتها مجموعات أرخص ليالي، وجمهورية فرحات، وقاع المدينة وغيرها. فلقد أصبحت عملية الخلق الفني لديه تدور حول تشكيل خامة الواقع المصري بالربط بين عناصره المتغيرة والاحتفاء بالحركة وإشاعة إيقاعها المستمر وكل ذلك حول الواقع العادي إلى واقع محلل واع وغني من الواقع نفسه.

ويذكر المؤلف أن علاقة يوسف إدريس بمدرسة النقد الواقعي الاشتراكي، قد تعقدت بعد أن كان أبرز ممثليها على مستوى الخلق القصصي، لأنهم ظنوا أن نوعية الأداة الفنية تشكل نوعية المضمون، بينما الصحيح أن قدرات الفنان في استخدام الأدوات التعبيرية الحديثة تسهم بصورة أساسية فى توصيل القيمة الإنسانية للعمل الفني.

الحرام

يرى المؤلف أن رواية الحرام ليوسف إدريس رواية عميقة المعنى والدلالة متقنة البناء. فهى رواية تختار موضوعها وأحداثها من ظلام مرحلة تاريخية متخلفة سابقة حين كان الإقطاع ونظام التفتيش يسود ويطحن الفلاح المصري بوطأته ولا إنسانية تظل لها أهميتها وقدرتها على مخاطبة انسحاق الانسان والفلاح، فيصور لنا المؤلف قدوم عربات النقل تحمل الأنفار، لا تكاد تميز فيها الرجل من المرأة ولا الولد من البنت، وينشئون لأنفسهم مأوى خلف الأسطبل. وهكذا قدم يوسف إدريس ببراعة واقعية جو الأحداث، وعبر عبارات وجمل وأوصاف درامية تعرفنا على المناخ والبيئة والمسرح. ويلتقط يوسف إدريس بشمولية حياة الريف، فى فترة تاريخية، بعيدة مظلمة، لتأتي بعدها علاقات جديدة في الملكية، وبرزت طبقات اجتماعية شرهة وطفيلية، غير أن القانون الجوهري الاجتماعي والفني لم يغب عن عدسة يوسف إدريس، لقد ألقانا يوسف إدريس مع فكري أفندي وسكان التفتيش في حيرة عن المجهول صاحب جثة للقيط، ورغم أن الحقائق الأولية أثبتت أن الترحيلة بريئة، بدأ الشك يتسرب لفكري أفندي، وبدأت الشكوك والاتهامات تنهال من كل صوب حتى لم تسلم واحدة من نساء العزبة الكبيرة من الشك في أمرها. ويقول المؤلف لقد سهر الناس في هذه الليلة كما لم يسهروا وتحدثوا عن اللقيط وتسرب الخبر للعزب الأخرى. بمرور أيام قليلة على اكتشاف عبد المطلب للقيط كانت تلك الأيام كافية لأن تقلب الأمور في التفتيش رأساً على عقب، أي لا بد أن توجد لهذا اللقيط أم، وطالما هي مجهولة فأي اتهام صحيح وأي إشاعة قد تكون هي الحقيقة والاشاعات كثيرة والألسنة في التفتيش لا تهدأ.

ويبين المؤلف رؤية يوسف إدريس الذى يقصده بها، وهي الشمولية الجدلية، وأن المسألة ليست إثارة البحث عن أم اللقيط، بل هي التغلغل لصميم مفهوم الحرام والعيب والشرف في الريف، هكذا كشف يوسف إدريس وعرى عبر صور غير مباشرة ومكثفة الجانب السري من حياة التفتيش، أسرار أحمد سلطان، وصفوت وامرأة الساعي حبيب، حتى فكري أفندي وزوجته، ودميان، ولندة وما سيقع لها. انها بانوراما شديدة التعقيد ليست فيها المفاهيم الأخلاقية البرجوازية المنافقة بل حقيقة الكشف عن جوهر ومعنى الجنس في منطقة محددة وبين ناس محددين ومستوى حضاري معين.

ويذكر المؤلف اكتشاف عمال الترحيلة مرض "عزيزة" وظهور مظاهر حمى النفاس عليها، وبدأت همسات النساء، وتكاملت حكايتها، وأصبحت خبراً، وبدأ الخبر يتسلل بين عمال الترحيلة وكلهم يسمعون ويناقشون الخبر ومدى صدقه، ومع ذلك ظل الخبر في حدود منطقة الترحيلة، وحرص الجميع على كتمان الخبر، وكأنه أصبح سرهم، أفهموها أن يوميتها لن ينالها سوء وكان خوفها أن تنقطع فيموت زوجها وأولادها.

ويرى المؤلف ارتفاع التجسيد الفني والواقعي ووصول يوسف إدريس بموضوعه لذروة علاقة الخاص بالعام والذات بالمجموع جدليا، فعزيزة أصبحت مشكلة الأنفار ككل، لقد ادركوا أنها ضحية وأنهم أنفسهم من خلال مأساتها ضحية أوضاع اقتصادية وسياسية، فيؤدي ذلك الصدق الفني إلى تحديد موقف الكاتب الثوري مع المطحونين ومن الواقع بتناقضاته وتركيبته الطبقية ويبعث روح الحياة في النموذج والشخصية والجماعة معا. وهذه خصائص فنية ليوسف إدريس في اتساق مع رؤيته الملتزمة المتجاوزة للواقع اللحظي إلى واقع المكان. ويصل المؤلف إلى الفصل الأخير لهذه الرواية، فنجد الكاتب قد عاد ببساطة وتكنيك صادق وبأس إلى الشخصية المحورية وهى عزيزة التي ترقد في غيبوبة وهذيان في الساعات والدقائق الأخيرة قيل الموت، كشهيدة لها قدسيتها ليس بمفهوم الاثنولوجيا الدينية والأخلاقية البرجوازية المتطهرة المرتفعة توارى بالأقنعة نفاق بشاعة نظامها الطبقي الاستغلالي الذى يفصل الملاك عن الفقراء.

ويؤكد المؤلف أن موهبة وطموحات يوسف إدريس في تعبيره عن: "مصرية القصة القصيرة" بمعنى أن طريقة الحكى أو السرد ورسم الشخصية والجو واختيار الحدث ورصد تطوره الدرامي، يبني كل ذلك بشكل ومعمار مصرى عربي مستلهم من طبيعة المستوى الحضاري والعقلي والنفسي للشعب، كما أن درجة تعرفنا على أشكال واتجاهات الشكل الأوروبي في القصة القصيرة خاصة عند موباسان وتشيخوف وغيرهما، قد أحدث بلا جدال تطوراً في القصة القصيرة.

 وفي ختام كتابه عن أدب يوسف إدريس، يقول المؤلف إن تجربة "نيويورك 80" تعتبر تجربة أدبية ينقصها الكثير من النضج والتوهج.

ويبرز المؤلف مظاهر الأزمة في ممارسة يوسف في التعبير القصصي، في ممارسته المحمومة، لكتابة المقال، خاصة بعد انتقاله للعمل في جريدة "الأهرام"، لقد كانت ردود الفعل الفكرية والابداعية عند يوسف إدريس، رداً على أزمة الحرية في بلادنا وانعكاسها على جوانب الحياة المصرية وصميم مكونات الشخصية المصرية، نوعاً من المقال الاجتماعى السياسي الحضاري المنغمس أساساً في مناقشة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن مقاله تحول في بعض الأحيان إلى ما يمكن تسميته المقال القصصي، وأبرز دليل على ذلك المقال القصصي "سلطان قانون الوجود" وواكب يوسف إدريس الهموم التي واجهت جيل الستينيات في تحويل التناقضات السياسية والحضارية التي نعيشها إلى ترجمة أدبية في شكل قصصي.

التعليق