"علم التواليت " لميرنا بامية: كثير من "الجدل" و"الدهشة"

تم نشره في الاثنين 31 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً
  • "علم التواليت " لميرنا بامية: كثير من "الجدل" و"الدهشة"

عملها الفني يجبر رواد المعرض على "دخول الحمّام"

 

 

 يوسف الشايب

رام الله - لم يخطر ببال الكثيرين من رواد معرض الورشة الثانية للفنون المعاصرة، في قاعة "الحلاج" برام الله، أو ربما جميعهم، أنهم سيضطرون لدخول "الحمّام" للإطلاع على العمل الفني "المبهر" لميرنا بامية، طالبة السنة الرابعة في قسم علم النفس بجامعة بيرزيت ... كتب على الأرض، وفنجان قهوة، ومنضدة سجائر، وشموع، وعلى الحائط السيراميكي المجاور للبانيو، اسطوانات موسيقية سوداء، وأشرطة كاسيت، وعلى واجهة أخرى أغطية مراحيض، بعضها مليء برسومات مربعة لرموز ووجوه، وأخرى يعتليها صحن وشوكة، وفي الركن القريب مسجل يصدر أصوات ذات علاقة بالاستحمام، والإخراج، كصوت الماء المنبعث من "السيفون"، وقطرات "حنفية" منسية.

العمل "الصدمة"، والذي يحمل عنوان "تويلتولوجي"، أي "علم التواليت "، خلق نقاشاً موسعاً بين رواد المعرض، حول دور "الحمّام" في حياتهم، والأوقات "الطويلة" التي يقضونها فيه، والتعاطي المختلف بين بيئة وأخرى مع هذه "الغرفة الخاصة"، ففي الوقت الذي لا يزال بعض سكان القرى الفلسطينية يصرون على إبقائه بعيداً عن المنزل، لاعتبارات عدة، من بينها "العيب"، يتجه آخرون، وفي صورة مختلفة كلياً إلى تزويد حمّاماتهم الواسعة بوسائل الرفاهية المختلفة، من تلفزيونيات وأجهزة استقبال فضائية (ريسيفرات)، وهواتف، وتحف، وحتى مكتبة أحياناً .. كما تحدث آخرون عن أنهم لا يجدون مساحة للاختلاء مع أنفسهم إلا في هذه الغرفة التي تحمل من التسميات الكثير، وأن الكثير من الإبداعات الأدبية والفنية الهامة خرجت منها، بل إن البعض يستمتع بقهوة الصباح هناك.

فكرة المعرض، حسب بامية، جاءت دون تخطيط، ودون أية أسباب مباشرة، وكانت صادمة لأنها كسرت الكثير من الجمود، وفي أكثر من اتجاه، "فليس من المألوف أن يستغل فراغ الحمّام لعمل فني، كما أنه ليس من المألوف أن تنقل رواد أي غاليري، والذي عادة ما يتردون لباساً رسمياً، ويستعرضون "عضلاتهم" ثقافياً، إلى هذه الغرفة التي لا يزال يرفض الكثيرون مجرد الحديث عنه .. مسألة قلب الأماكن، بما يخالف الخطط الذهنية المسبقة، فيه أكثر من اختراق.. وتقول: ألاحظ أن الفلسطينيين في مجملهم، كما هم العرب، وربما سكان دول كثيرة في العالم، يحبون الثبات وينحازون إليه، وبالتالي يرضخون للكثير من الأمور المفروضة عليهم .. ما هدفت إليه من عملي هذا هو إحداث خلخلة ما في هذا الثبات، وبالتالي في هذا الخضوع .. هناك استسلام للكثير من المفاهيم، بما فيها الاحتلال الذي يحاول فرض الكثير من الأمور علينا، وللأسف نتعاطى معها كمسلمات، كما هو حال الكثير من الأفكار التي تكبلنا .. في معرضي هذا أسعى لكسر الخضوع والاستسلام، فعلى سبيل المثال، بدلاً من البحث عن طرق ترابية بديلة، لابد من اقتحام الطريق، إذا ما أغلقها "جيب" عسكري، أو أكثر.

وتضيف بامية: الحمّام غرفة أساسية في المنزل، وربما هي أكثر غرفة نحتاجها، ولا نجد بديلاً عنها، فالأكل قد لا يكون في المطبخ، كما هو النوم، أو الجلوس، أما الإخراج فلا مكان آخر له في المنزل سوى الحمّام .. البعض يتعاطى مع هذه الغرفة، شديدة الخصوصية، من باب "العيب"، وربما "النجاسة"، رغم اهتمامنا العالي بنظافته .. ما عملت عليه، من خلال عملي هذا، هو محاولة توسيع أفق التعاطي مع الحمّام، كما هو الحال مع جميع المفاهيم التي نتعامل معها كمسلمات في حياتنا.. البعض رفض هذه الخلخلة، وانزعج من المعرض، رغم دهشته.

ونجحت بامية في الحفاظ على نوع من التوازن، عبر عدم الإخلال بوظيفة العنصر الأهم ربما، في الحمّام،  الذي بقي صالحاً للاستخدام كأي "تواليت" آخر .. وعن هذا تقول الفنانة الشابة: حافظ على الوظيفة الأساسية للمرحاض، وبالتالي بات لكل من يرغب باستخدامه الحق في "حجب العمل الفني عن الجمهور لبعض الوقت"، وفي هذا توظيف جديد، على ما أعتقد.

والملفت أن بامية، وقبل إنجاز عملها الفني، "في وقت قياسي"، درست تاريخ المراحيض، وكيف تطورت نظرة الإنسان إليها، مشيرة إلى أنه، وفي القرون الوسطى بأوروبا، كان الناس يعزلون الحمّام، ويتعاملون معه كمكان "نجس"، في حين كان يرفض الكثير من البرجوازيين الحديث عن "زياراتهم القصيرة للمرحاض"، كي لا ينتقص هذا من قيمته، خاصة أنه يذهب إلى "ذلك المكان، للإخراج، كما هو حال الفقراء والمعدمين"، مشيرة إلى أن الاختلاف في التعاطي مع الحمّام كفكرة ومضمون يختلف من بيئة لأخرى، ويعتمد ربما على الوعي، والتعليم، وطريقة التفكير، وحتى النفسية أحياناً، لذا كان اسم المعرض "علم المرحاض".

وتختم بامية التي لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، بالقول: هناك الكثير من الأمور التي تفرض علينا، والتي لابد من العمل على رفضها ما دامت تتنافى وقناعاتنا.

ويشيد الفنان حسني رضوان بفكرة المعرض، مشيراً إلى أنها أحالته إلى فيلم للمخرج الإسباني الشهير بسرياليته، لويس بونويل، أنتج العام 1975، وحمل اسم "سحر البرجوازية الخفي"، ويتحدث عن فكرة "قلب الأماكن"، التي تناولتها بامية بطريقة مختلفة، عبر قيام أسرة برجوازية بتناول الطعام في الحمّام، والإخراج في غرفة الطعام .. ويقول رضوان: أثار عمل بامية انتباهي، خاصة أنه نفذ بطريقة فنية جيدة، قياساً بفنانة شابة لا تزال في أول مشوارها.

أما الفنان نبيل عناني، فيصف فكرة العمل بالجريئة، مشيراً إلى أن الفنانة الشابة، ميرنا بامية، "نفذت فكرتها بطريقة جيدة، جعلت منه عملاً فنياً حداثياً مميزاً"، مشيراً إلى تجربة الفنان الفرنسي، دوشامب، والتي تختلف بطبيعة الحال عن عمل بامية، حين استخدم المرحاض في معرض فني، كنوع من الاحتجاج على الحرب العالمية الثانية، وعلى الدور "الرديء" للفن في تغيير مفاهيم الجماهير في تلك الفترة

التعليق