سمايرز: خضوع الفنون والآداب لضغط العولمة تهديد للديمقراطية

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً
  • سمايرز: خضوع الفنون والآداب لضغط العولمة تهديد للديمقراطية

كاتب هولندي ينتقد نظام حقوق الملكية الفكرية

 

   القاهرة - ينطلق كاتب هولندي في نقده لنظام حقوق الملكية الفكرية من كونه يعوق فرصة الجماهير في الاستفادة بالتنوع الثقافي الخلاق بسبب سيطرة قلة من المؤسسات العالمية على مجال الإنتاج والتوزيع الفني والثقافي بصورة قال إنها تخدم توجه اليمين السياسي.

وقال جووست سمايرز وهو من المهتمين بالشأن الثقافي وحقوق الملكية الفكرية إن السيطرة الكونية على وسائل الإنتاج والترويج للفنون والآداب على يد تكتلات احتكارية غربية "تهديد للديمقراطية وقيد على التفاعل الثقافي وتدفق المعرفة والخبرة الإنسانية."

وأضاف في كتابه (الفنون والآداب تحت ضغط العولمة) ان الفنون والآداب من موسيقى ومسرح وسينما وقصص وشعر ورسم وأغان ونحت لم تكن هامشية في أي زمن وأن شرط الديمقراطية أن يتحقق في فضاء فكري تتفاعل فيه بعيدا عن الذين وصفهم بالوكلاء لأنهم يشكلون قوى تجارية ضاغطة هدفها الربح.

والكتاب الذي ترجمه المصري طلعت الشايب تقع طبعته العربية في 426 صفحة من القطع الكبير وصدر هذا الشهر عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.

   وقال سمايرز إن سوق التسجيلات الموسيقية في العالم تقدر بحوالي 40 مليار دولار وإن حوالي 80 بالمئة منها يتم توزيعه عن طريق تكتلات ثقافية احتكارية متعددة الجنسية كما أن معظم الأفلام التي تعرض في العالم باستثناء الهند والصين صنعت في هوليود.

وأشار إلى أن الاحتكار والسيطرة في مجال الموسيقى يشكلان خطرا على ظهور فنانين وبروز أساليب موسيقية جديدة "مثلما هو الحال في كل الاحتكارات الثقافية التي أصبحت تخشى المغامرة والرهان على مبدعين غير معروفين مكتفية بزيادة أرباحها من احتكارها للنجوم والمتحققين فنيا وجماهيريا."

وأبدى خوفه من اختفاء السوق المفتوحة التي تسمح بالتنوع حيث "إن تجميع سوق الأفكار والصور والنصوص والعواطف ودمجها أحدث نقلة في اتجاه اليمين السياسي.

    "الحرب الحقيقية التي تحقق فيها الصناعات الثقافية المزيد والمزيد من المكاسب هي الحرب من أجل السيطرة على قنوات التوزيع في أنحاء العالم. حاول أن تتخيل ذلك العدد من الناس الذين ينبغي أن يجذبهم فيلم بلغت تكلفته 200 مليون دور لكي يستعيد المستثمرون ما دفعوه مضاعفا عشر مرات."

واعترض على الثقافة الأمريكية التي قال إنها تطرح نفسها في أرجاء العالم "على السطح بدلا من أن تسبر الأغوار العميقة للروح... المزعج أن الولايات المتحدة تعتبر أنها صاحبة رسالة... أحد الجوانب المهمة في النموذج الأمريكي هو تدميريته ونزعته الاستهلاكية ويشجعه على ذلك فيضان كاسح من الصور والأصوات. هناك بالطبع أمريكيون لا تسعدهم صور وحقيقة مجتمعهم."

   ووصف السيطرة الاحتكارية في الصناعات الثقافية بأنها مرعبة مشيرا إلى نشوء القرصنة حيث "تقوم سفارات الولايات المتحدة الآن بشكل روتيني برصد التعديات على العلامة التجارية الأمريكية... ولعل زيادة تركيز (سي آي ايه او الاستخبارات المركزية الامريكية) و(إف بي آي او مكتب التحقيقات الاتحادي) واهتمامهما بالقرصنة والسرقة الاصطناعية هو أحد أسباب عدم قيامهما بالتجسس على الإرهابيين."

وقال سمايرز إن الفنون والآداب جزء من صراع اجتماعي وإنها "ساحات قتال رمزية" مشيرا إلى تدمير حكومة طالبان السابقة في أفغانستان الآلات الموسيقية التقليدية حيث أدى فهمهم "الخاص للشريعة (الإسلامية) إلى شجب كافة الأشكال غير الدينية للتعبير الثقافي وتأثيمها لأنها غير إسلامية والنتيجة حظر الفنون التعبيرية."

وأشار إلى عدد من وقائع تقترب من هذا النموذج منها قتل أو تهديد مترجمي وموزعي وناشري كتاب (آيات شيطانية) لسلمان رشدي "وفي يونيو (حزيران) 1998 قتل المغني الجزائري لونيس معتوب في منطقة القبائل... كان معتوب معروفا بمعارضته للأصولية الإسلامية ودفاعه عن الأمازيغية لغة البربر."

كما أشار إلى ما تعرض له الموسيقي والمطرب اللبناني مارسل خليفة قبل سنوات في بيروت حيث اتهم بالإساءة إلى الإسلام بسبب تلحينه وغنائه قصيدة (أنا يوسف يا أبي) لمحمود درويش ولكن المحكمة "رفضت القضية وبرأ القاضي ساحة المطرب."

كما سجل وقائع أخرى لا تتعلق بمسلمين منها ما يعود إلى عام 1977 حيث قام "بعض المتعصبين الهندوس بتحطيم رسوم عارية للإلهتين ساراسواتي (إلهة الفن والعلم) ودورجا وهي من أعمال المصور المسلم مادول فيدا حسين."

   وقال إن قائد الأوركسترا اليهودي دانيل بارنبويم أثار عاصفة في يوليو تموز 2001 حين قاد أوركسترا ألمانيا عزف في إحدى الحفلات مقطوعة من تأليف الموسيقي ريتشاد فاجنر الذي كان يفضله الزعيم النازي أدولف هتلر حيث اتهمه البعض بالفاشية وعلق رئيس الحكومة ارييل شارون قائلا إن ما فعله بارنبويم كان شديد الصعوبة على الكثيرين في إسرائيل لأن الوقت لم يحن بعد لكي يعزف فاجنر هناك "أما تعليق إيهود أولمرت عمدة القدس (آنذاك ووزير الصناعة والتجارة الحالي) فكان.. ما أقدم عليه بارنبويم وقاحة وغطرسة وعمل غير متحضر وعديم الإحساس."

وقال الشايب مترجم الكتاب في مقدمة إن العالم أصبح بالتدريج أكثر تقبلا لفكرة وجود ثقافة واحدة مسيطرة بعد نزع الخصوصية عن الثقافات المحلية والمحاولات المستميتة للمحافظة على التنوع مشيرا إلى أن العولمة الاقتصادية تضع شروطها الخاصة بإنتاج وتوزيع الإنتاج الفني والثقافي في العالم "وهكذا تختفي حتى فكرة السوق التنافسية الحقيقية في مجال الأفكار والصور بوجود عدد قليل من التكتلات الاحتكارية التي تتحكم فيما يتم صنعه وتوزيعه وفي مكان عرضه وفي كيفية التصريح باستخدامه المستقبلي."

    وأضاف أن مهمة الدفاع عن التنوع الثقافي أصعب من مهمة الدفاع عن التنوع البيولوجي فمن السهل أن يكتشف الناس تلوث الهواء وفساد الغذاء في حين يصعب إقناعهم بأن التنوع الثقافي لا يفسد عليهم متعتهم وأن تعدد مصدار الإبداع وأساليب الإنتاج والتوزيع ستكون في صالحهم.

وأشار إلى أن مؤلف الكتاب يسبح مع عدد من مثقفي العالم المعارضين للعولمة ضد تيار الليبرالية الجديدة "معلنين أن العالم ليس للبيع وأن بالإمكان صنع مستقبل بديل."

    وقال سمايرز في مقدمة كتبها في 31 يوليو تموز الماضي للترجمة العربية تحت عنوان (من أجل فهم ثقافي أفضل) إن العالم العربي يرتبط بمتغيرات وتوترات كثيرة حيث لاتزال القوات الأمريكية والبريطانية "تواصل احتلالها غير المشروع للعراق كما تواصل إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية وفي الوقت نفسه يذبح العراقيون بعضعهم بعضا."

وأضاف أن الفنون والآداب سواء الجادة والمسلية تسهم في صنع الهويات الفردية والجمعية "فهي التي قد تجعلنا لا مبالين أو بشرا سطحيين أو تلهمنا أسمى الأفكار وأرقى المشاعر."

التعليق