العلماء يسارعون الى تطوير لقاح ضد انفلونزا الطيور

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً

 روبرت بويد

تحت المجهر يبدو مجرد كرة صغيرة مغطاة بالبثور والنتوءات، وبالكاد يستحق سمعته بوصفه قاتلا جماعيا. ولكنه يؤوي داخل غلافه آلية بيولوجية يمكن أن تكون أكثر فتكا من الحرب النووية.

إن هذا المخلوق المخيف هو الفيروس الذي يسبب انفلونزا الطيور. وهو عادة يصيب الدجاج والبط وديوك الحبش، ولكن يمكن أن ينتقل الى الانسان. وفي الظروف المناسبة يمكن أن ينتشر مثل النيران المشتعلة ويقتل ملايين البشر.

وتعتقد هيئات الصحة ان وباء انفلونزا آخر في أنحاء العالم، مثل الإصابات الثلاث التي قتلت نحو 50 مليون نسمة في القرن العشرين، سوف يكون حتميا ومتأخرا.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية لي يونغ ووك الشهر الماضي "ثمة عاصفة قادمة لاختبارنا جميعنا. والاخفاق في أخذ هذا الخطر على محمل الجد والتحضير له بصورة مناسبة سوف يجلب عواقب وخيمة".

وقال الرئيس بوش مؤخرا أنه كان يفكر في استخدام الجيش، ان تطلب الأمر في حالة الوباء، لإقامة الحجر الصحي على الأشخاص المصابين حتى يحول دون انتشار انفلونزا الطيور.

ويختلف فيروس انفلونزا الطيور عن فيروس الانفلونزا المحلي الذي يصيب ملايين الأميركيين كل عام- فهو أخطر منه بكثير. وعلى الرغم من وجود اللقاحات ضد الانفلونزا المحلية، فلا زالت تتسبب بنحو 36 ألف حالة وفاة سنويا.

 ولا يوجد لقاح معتمد حتى الآن ضد النوع الجديد من انفلونزا الطيور، الذي اُكتشف في هونغ كونغ في 1997 وهو الآن يجتاح آسيا. وقد قتل حتى الآن 60 شخصا على الاقل، أي أكثر من نصف الذين أُصيبوا به.

ويعتبر هذا النوع، H5N1، مخيفا لأن معظم البشر لم يتعرضوا له- أو للقاح ضده- وبالتالي لم يكونوا مناعة ضده.

إلا ان العلماء قد عرفوا أمورا كثيرة عن كيفية عمل هذا الفيروس. فقد حُللت جيناته وكُشف عن آليته الداخلية. ويمكن للباحثين ملاحظة التكتيكات الخبيثة التي يستخدمها لغزو جهاز المناعة البشري وتدمير الخلايا الحية.

ومثل أي فيروس آخر، تتكون أنواع انفلونزا الطيور من كتلة آر إن أيه (RNA)، وهو نسخة مبسطة عن دي ان ايه  (DNA) الذي يحمل التعليمات الجينية لجميع الخلايا الحية. ويحاط (الآر ان ايه) بغشاء من البروتينات- وهي سلسلة من الجزيئات تُدعى الحمض الاميني.

والفيروس ليس حيا من الناحية الفنية. فلا يمكنه إعادة إنتاج جيناته ولكن عليه أن يخطف الجينات من خلية حية ليُكون فيروسات "شقيقة" أخرى.

ويحمل فيروس انفلونزا الطيور 8جينات آر ان أيه فقط. ستة منها تتولى المهام الروتينية، والجينان الآخران يشكلان آلة القتل.

ويُنتج جين خطير آخر، اسمه "أتش إيه"، (وهو اختصار هيماغلوتينين) بروتينا يعتبر برعما على غلاف الفيروس الخارجي. وعندما يصدم الفيروس خلية حية في الحلق أو الرئة، يندفع جين اتش إيه بحيث يخترق غشاء الخلية الخارجي ويخطف الآلية الجينية من الداخل.  

وذكر تيراس تامبي من مراكز ضبط الأمراض والوقاية في أتلانتا، في آخر عدد من مجلة ساينس "نظرا الى ان جين إتش ايه مسؤول عن كثير من الأمراض في الرئة، فإذا استطعنا تحديد الآلية التي يحدث من خلالها ذلك ومنعها ربما سيكون أمرا مفيدا لتطوير مضادات الفيروس".

أما الجين الآخر، واسمه "إن إيه" (وهو اختصار نيورامينيديز)، يصنع بروتينا آخر يسمح للجينات الشقيقة بالهرب من مستضيفها المقاوم – الذي قُضي عليه الآن- والاسراع في الانتقال الى خلايا أخرى. فإذا أُعيق جين إن إيه، لا يمكن للفيروس أن ينتشر.

وثمة 16 نوعا من جين "إتش إيه"، مصنفة من إتش1 الى إتش16، و9أنواع من جين "إن إيه"، مصنفة من إن1 إلى إن9. وهناك عديد من التركيبات المحتملة، بعضها غير ضار نسبيا، وبعضها الآخر قاتل.

وفي  الوقت الراهن، أكثر نوع انفلونزا مثير للقلق هو H5N1. وقد كانت أول ضحايا بشرية له في هونغ كونغ عم 1997.

وفقا لتقرير كتبه الأسبوع الماضي جيفري توبنبيرغر من معهد القوات المسلحة للصحة العامة في روكفيل، فإن بعض الجينات في H5N1 تشبه بعوضة "الانفلونزا الاسبانية" التي قتلت 50 مليون شخص في نهاية الحرب العالمية الأولى، وهذا أمر يُنذر بالشؤم.

وعادة يصاب الناس بفيروس H5N1 من الاحتكاك بالطيور، ولكن حالة واحدة على الأقل من الاصابة القاتلة المنتقلة من شخص الى آخر حصلت في تايلند في 2004. فقد التقطت فتاة في الحادية عشرة من عمرها المرض من دجاج منزلي. وكما ذكر لكومنيوان أنغشوساك من وزارة الصحة العامة التايلندية في مجلة نيو إنغلاند الطبية في 27 كانون الثاني، فيبدو انها، قبل أن تموت، نقلت الفيروس الى أمها وخالتها. وقد توفيت المرأتان بعد أيام معدودة.

إن الدفاع الرئيسي ضد الانفلونزا هو اللقاح، وهو شكل معدل من فيروس الانفلونزا يُحقن في الذراع أو يؤخذ عن طريق رذاذ أنفي. ويحث اللقاح نظام المناعة في الجسم على انتاج مجموعة من الجزيئات الوقائية تعرف بالأجسام المضادة. وتُلصق الاجسام المضادة نفسها ببروتني "إتش إيه" أو"إن إيه" بحيث تجعلهما غير ضارين.

ويحمي لقاح الانفلونزا المحلية الذي وزع في الولايات المتحدة هذا الخريف ضد تركيبتين من الجينات الفيروسية- H1N1 و H3N2-  اللتين تنتشران في العالم منذ 1997. إلا ان هذا اللقاح لا يقدم وقاية من H5N1.

وقبل سنتين، طور روبرت ويبستر، وهو خبير فيروسات في مستشفى أطفال سانت جود للابحاث في ميمفيس، لقاحا تجريبيا ضد H5N1. ويُجرب لقاح ويبستر في المختبرات ولكنه لن يكون متوفرا لاستخدام الناس في موسم الانفلونزا هذا.

وفي الاسابيع القليلة الماضية، منح المعهد الوطني للحساسية والامراض المعدية في بيثيسدا عقودا بملايين الدولارات للشركات في كاليفورنيا وميريلاند وبنسلفانيا وذلك لتطوير لقاحات ضد انفلونزا الطيور وتخزينها.

وفي الوقت ذاته، تعمل كانتا سوبراو، من المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، مع زملائها لتطوير لقاحات ضد بروتينات H2 وH7 وH9، بالاضافة الى بروتين H5 المخيف.

وبالاضافة الى اللقاحات، لدى الأطباء عدد من الأدوية لمعالجة المرضى المعرضين للاصابة بالانفلونزا أو المصابين بها.

وأحد هذه الأدوية، وهو التاميفلو، المصنوع في مختبرات روش في ناتلي، يدخل في بروتين إن إيه. وهذا يحول دون إطلاق الفيروسات الشقيقة، بحيث لا يمكن للشخص المصاب أن ينقل المرض الى الآخرين. إلا أن التاميفلو يكون فعالا جزئيا فقط ضد فيروس H5N1.

ويعمل عقار آخر، وهو الأمنتدين، ضد جين انفلونزا مختلف اسمه M2، الذي يزيل الغشاء البروتيني للفيروس بعد دخوله الى الخلية ومن دون جين M2  فعال، يُمنع حصول مزيد من الاصابات. ولسوء الحظ، فقد طورت معظم فيروسات الانفلونزا مقاومة للامنتدين، بحيث تجعله عديم الفائدة.

إن المشكلة الأساسية هي حقيقة ان جينات الانفلونزا تتحول باستمرار- أي تقوم بتغييرات طفيفة في بنيتها الجينية- بحيث تصبح اللقاحات أو العقارات غير قادرة على التعرف عليها. وخطأ في "حرف" واحد من شيفرة RNA الجينية يمكن أن يكون كافيا لإخفاء فيروس يتغير في شكله.

وذكرت سوزان إبشتاين، وهي بيولوجية كبيرة في إدارة الغذاء والدواء، في مجلة الأمراض المعدية "إن لقاح الانفلونزا الناجح يجب أن يكون قادرا على التنبؤ بنوع الفيروس الذي سوف ينتشر. فإذا ظهر نوع غير متوقع أو وباء ما، فقد يأخذ تحضير اللقاحات المناسبة وقتا طويلا".

والأسوأ من ذلك، تُبدل الفيروسات الحيوانية والبشرية في بعض الأحيان بعض موادها الجينية، منتجة بذلك نوعا جديدا تماما، مثل H5N1 الذي لا يمتلك الناس حصانة ضده.

فعلى سبيل المثال، ربما يُصاب خنزير بفيروس انفلونزا الطيور وفيروس انفلونزا بشري في الوقت ذاته. وبعمل الخنزير "كقدر للخلط" حيث تخلط الفيروسات جيناتها في عملية تُعرف بإعادة التشكيل. وإذا كانت الفيروسات التي أُعيد تشكيلها تصيب الانسان، فيمكنها الانتشار بسرعة وبالتالي تؤدي الى وباء.

وقال ستيفين سالزبيرغ، وهو بيولوجي في جامعة ميريلاند في كوليج بارك مؤخرا "إن أحد الاسباب المحتملة لأوبئة الانفلونزا هو الاختلاط خلال عملية إعادة تشكيل نوع انفلونزا فيروسي جديد. والخوف الأعظم هو أن يتحول ليصبح سهل الانتقال بين البشر".

وقال سوباراو "إن هذه التغيرات الكاملة في الفيروس نادرة ولكنها حدث ضخم جدا. هذا ما حدث في 1918 و1957 و1968. فلم يكن الناس محميين".

التعليق