كاتب فرنسي.. لا وجود للشرق خارج خيال الغرب الاستشراقي

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً

القاهرة - منذ السطور الأولى لكتابه (الشرق المتخيل) يطرح كاتب فرنسي سؤالا عن هوية الغرب وفي سبيل التعرف عليها يقول إن الشرق غير قابل للإدراك باعتباره فكرة خلقها الخيال الغربي الذي سبق أن صنع صورة أسطورية لعدو مختلق قبل بدء الحروب الصليبية.

وقال تييري هنتش أستاذ الفلسفة بجامعة كيبيك بمونتريال في الكتاب الذي حمل عنوانا فرعيا هو (رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي) إنه يتحفظ على "شرقنا المتخيل" وتساءل عن الأسباب التاريخية والسياسية التي جعلت الغرب مطمئنا إلى ما يصدره من أحكام.. "هل سألنا أنفسنا كفاية على سبيل المثال لماذا يبدو لنا بديهيا كغربيين أن الإرهاب عربي والتعصب إسلامي.. لا يكفي أن نقف ساخطين على هذه الاختزالات الرهيبة. لابد من فهم جذورها."

وأضاف أن الشرق في التصور الغربي مرادف لكل الغرائب والمتناقضات والمبالغات فهو أكثر حكمة وجنونا وزهدا وشهوانية وفظاظة ولباقة بحيث يسمح للغرب أن يسقط عليه كل ما يفرزه خياله لأن "الشرق كامن في رؤوسنا."

ومن هذا المنظور يرى هنتش أن الشرق "غير قابل للإدراك. إذ هو في كل مكان وفي لا مكان. إنه مكان جامع لكل الرواسم الكليشيهات... لا وجود للشرق خارج رؤوسنا نحن الغربيين. ولا وجود حتى للغرب فالغرب فكرة تسكننا كما تسكننا فكرة الطرف النقيض لكننا لا نشعر بالحاجة لأن نعرفه فنحن الغرب."

وترجم الكتاب إلى العربية غازي برو وخليل أحمد خليل وصدرت الترجمة التي تقع في 470 صفحة من القطع المتوسط بالاشتراك بين المجلس الأعلى للثقافة بمصر ودار الفارابي في بيروت.

وقال المؤلف في استعراض تاريخي إن الشرق بدأ لدى "الصليبيين على شكل تخيل قبل أن يصبح واقعا متجسدا بالحملات الصليبية نفسها."

وفي عام 1095 ألقى البابا أوربان الثاني خطبة شهيرة في مجمع كليرمون بجنوب فرنسا دعا فيها لاسترداد الأرض المقدسة من المسلمين وفي العام التالي بدأت الحملات الصليبية (1096 - 1292).

وقال هنتش إن أدبيات تلك الفترة كانت تصف الفردوس بأنه مكان يقع في الشرق مشيرا إلى أن المرحلة الصليبية "امتصت غليانا سياسيا وعسكريا كان ممكنا أن يودي بأوروبا المسيحية إلى الانهيار" بسبب وفرة الطاقة المحاربة الساعية إلى التوسع.

وأضاف أن البابا أوربان الثاني وجه هذه القوى إلى ما وصفه بالعدو المشترك في الخارج بعد أن حدد هدفا بعيدا هو فلسطين ورمزا هو الصليب حيث قال البابا في خطبته "يا له من عار لو أن هذا الجنس الكافر المحتقر عن حق المجرد من القيم الإنسانية وعبد الشيطان تغلب على شعب الله المختار.

"هذه التعبئة العصبية تولد صورا أكثر مما تترجم عداء شائعا فهي تستخدم السيء من الذكريات التي تركتها في الجنوب الغزوات العربية الإسلامية وتمزجها بالورع الديني لأهل الشمال الذين يجهلون كل شيء عن العرب المسلمين لخلق عدو معاد للمسيحية أسطوري تماما في عموميته. الحقيقة أن هذا العدو المختلق له وظيفة ألا وهي صنع الوحدة عن طريق توجيه الطاقات نحو مشروع سرعان ما اتخذ طابع الحملة الاستعمارية."

وأشار هنتش إلى استمرار هذا التصور إلى الآن مشيرا إلى أن عام 1991 حين أخرجت قوات التحالف الدولي جيش الرئيس العراقي السابق صدام حسين من الكويت التي غزاها في الثاني من أغسطس اب 1990 شهد "سحق القوى الغربية للعراق بمأساوية."

وعلق قائلا إن "الإجماع الذي رافق تدمير العراق يستحق التأمل لا بوصفه مجرد انعكاس لعنصرية لم يعد ثمة داع للبرهان عليها بل بوصفه محصلة لشكل فكري يملك فيما يتعدى كل تآمر تماسكا ومظهرا يمكن احترامهما والانتساب التام إليهما بكل نية طيبة."

وقال المؤلف إنه مدين لمفكرين عرب ومستشرقين قال إنهم أكثر انفتاحا في انتقاد رؤية الغرب للشرق ومنهم المستعرب الفرنسي مكسيم رودنسون (1915 - 2004) والتونسي هشام جعيط والبريطاني نورمان دانييل.

كما توقف أيضا أمام اجتهادات المفكر الفلسطيني البارز إدوارد سعيد (1935 - 2003) في تحليله "الصارم الذي لا هوادة فيه عن الاستشراق وهو تحليل قد تسنى لنا العودة إليه مرات ومرات. ولقد أصبح كتاب إدوارد سعيد ممرا إلزاميا لكل تفكير حول الاستشراق. توثيقه غني للغاية وتحليلاته غالبا ما أصابت إصابة دقيقة وعرت مرات عديدة نزعة الاستشراقيين العرقية المتعالية سواء أكانوا علماء كبارا أم أقل علما."

وصدر كتاب (الاستشراق) لسعيد في نهاية السبعينيات وترجمه عن الإنجليزية كمال أبو ديب.

وقال برو وخليل مترجما الكتاب في هامش إن الكاتب المصري أنور عبد الملك كان "أول من عمد إلى مساءلة الاستشراق في فرنسا" في دراسة بالفرنسية نشرت عام 1963

التعليق