طريق الحرير.. مهرجان استلهم من دمشق صبرها وثراء ثقافتها

تم نشره في الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً
  • طريق الحرير.. مهرجان استلهم من دمشق صبرها وثراء ثقافتها

سليمان قبيلات

   دمشق- دفعت فعاليات مهرجان طريق الحرير التي شملت دمشق وتدمر ودير الزور وحلب بتنوع بضائع التجار ومعروضات مواسم الحج الاسلامي والمسيحي واتصال الثقافات بديلا انسانيا للمواجهة والحروب التي تقض مضاجع الشرق منذ عقود، حسبما قال مثقف دمشقي آثر ألا يذكر اسمه.

   والمهرجان الذي انطلق وسط حضور رسمي وشعبي كثيف جرى في اروقة دمشقية صيغت معالمها بعناية جعلت الحضور شهودا رغم زمن سحيق مضى، على لحظة وصول قوافل حجيج الهند ولقائهم تجارا دمشقيين، كانوا اتفقوا على لقاء يجمعهم في اول عاصمة في التاريخ البشري، لتكون مسرحا لمبادلات ومفاوضات تجارية وثقافية سنوية "لا تخلو من عبق الشرق الآسر" بتنوعه الأخاذ، حسبما أضاف المثقف الدمشقي.

     وفي فعاليات افتتاحه، كان المعرض يستلهم، كما قال وزير السياحة السوري سعد الآغة القلعة من المناخ الدمشقي فكرة تثري مضامينه في تكريس ضرورات التلاقي الانساني متعدد الأوجه.

     وبعربية طغى عليها الطابع السجعي، كان عريف الحفل ينتقل بانسياب ساحر من فكرة الى خرى، "تلتقي جميعها في الدفاع عند أنسنة العلاقات البشرية رغم تباين بيئاتها الثقافية"، وفق الصحافية البلغارية لودميلا زاتشيف التي ذهبت الى حد القول، ان دمشق اختارت لمهرجانها هذا العام مضامين بدت عميقة الاغوار خصوصا في مناخات تبدو فيها سورية مستهدفة من اعداء يتربصون بها.

    ويقول صحافي عربي، ان منظمي المهرجان اختاروا بعناية ان يبدأ المهرجان بمشاهد فقرة حملت اسم" رحلة عبر الزمن"، بدأ فيها طريق الحرير جسرا بين الشرق والغرب شكلته قوافل التجار على الطريق الخالد من أقصى آسيا في الشرق ومن أقصى اوروبا في الغرب الى سورية قاطعين نحو 12 الف كيلومتر حاملة معها كل جميل مبتكر ونفيس.

     وفي التاريخ عرفت خيوط الحرير بأنها أتت في اول اكتشافها من الصين، الا ان النساجين السوريين ابدعوا في صنعها فابتكروا من الحرير اربعين صنفا غدت مثالا للجودة والاتقان، فضلا عن انهم ادخلوا خيوط الذهب والفضة لينتجوا البروكار والدامسكو والاغباني، وهي اصناف ما يزال النساجون السوريون يتقنون صنعها.

     وقبيل اشهاره رسميا، سارت فرقة " غيلملزوايرز" البلجيكية في شوارع دمشق القديمة، تستعرض اعلاما تشارك بلدانها في المهرجان، وتعلن للدمشقيين عن انطلاق مهرجان مدينتهم التي احتفت بأعضاء الفرقة على طريقتها. ففي شارع الحميدية الشهير علت اصوات الطبول على ما سواها من نداءات الباعة الدمشقيين في ما بدأ مبارزة بين ضيف جاء يعلن لمضيفيه عن مقدمه ليشاركهم فرحة طال انتظارها، بعد عام انقضى على موسم الحج الماضي، حسبما وصفت المشهد البلغارية لودميلا.

    ولم يغفل منظمو المهرجان ضرورة المنسوجات والصناعات التقليدية التي وجدت لها متسعا في العرض في عدد من الدور الدمشقية الشهيرة، مثل مكتب عنبر وخان اسعد باشا وبيت نظام الذي شهد عرضا للمأكولات الاندونيسية والمصرية اعدها طهاة مهرة.

    وشهدت مدينة تدمر، على مسرحها عروضا مسرحية وموسيقية لفرق بلغارية وبلجيكية وجورجية وسورية. بينما شهدت مدينة دير الزور سباقات الجري الماراثوني والسباحة النهرية والقوارب في نهر الفرات، وحفلا فنيا حاشدا في الهواء الطلق شاركت في احيائه فرق عديدة اجنبية وعربية.

     على ان نصيب الاسد من فعاليات طريق الحرير كان لمدينة حلب التي شهدت قلعتها مسك ختام المهرجان، فإضافة الى الحفل الفني متعدد الفقرات شهد المركز الثقافي في المدينة ندوة كان موضوعها " تاريخ الموسيقى والادوات الموسيقية وتأثير التبادل بين الدول عليها".

    يقول راقص جورجي حضر جانبا من الندوة،" لعل عنوان الندوة يختزل الى حد بعيد ما رمت اليها القوافل التي سارت على طريق الحرير واتخذته لإبلاغ رسالتها الانسانية، وكذلك البحث عن تصريف البضائع التي كانت مدينة حلب وجهتها ومصدرها".

   ويقدر المؤرخون بأن السير في طريق الحرير بدأ منذ عام 105 او 115 قبل الميلاد وبقي طريق الاتصال بين الصين والبحر المتوسط ما لا يقل عن 4000 عام.

   كذلك كان الحرير اهم سلعة تنقلها قوافل التجار من الصين التي احتفظت زمنا طويلا بسر تربية دودة القز وصناعة الحرير، وكذلك نقل تجار طريق الحرير مادة الورق وهي اهم سلعة في العصور الوسطى انتجها الفينيقيون.

   ويبدأ هذا الطريق من ايران مرورا بروسيا والعراق وسورية, ويمر بأفغانستان وباكستان وتركيا, والاردن ولبنان وفلسطين ومصر، وقد سار على هذه الطريق الغزاة والفاتحون، مثل الاسكندر الاكبر والرومان, والفرس كما سارت عليه جيوش الفتح الاسلامي. وعبر هذا الطريق سار رحالة عظام امثال ابن بطولة وماركو باولو, وازدهرت مدن على جانبي الطرق بمرور تجارة طريق الحرير عليها فكان الشريان الذي يحيى العمران، فإذا ما ابتعد الطريق عنها تندثر.

     وتشير ارقام رسمية سورية الى ان الزيادة السنوية في السياحة تبلغ 16%، بينما وصل انفاق السياحة الوافدة عام 2004 الى بليونين ومئتي مليون دولار. ويقول الوزير آغة القلعة ان وزارته تسعى الى تحقيق برنامج طموح للوصول الى عدد يفوق ثمانية ملايين سائح مبيت بحلول عام 2010، وان يكون نزلاء الفنادق منهم بحدود اربعة ملايين نزيل، فضلا عن تحقيق عائدات سياحية بحدود ستة مليارات دولار وتوفير نحو ثلاثمائة الف فرصة عمل.

    على ان الوزير آغة القلعة يوضح ان تدفق الاردنيين الى سورية بلغ العام الماصي نحو نصف مليون شخص، يشكلون النسبة الكبرى من السياحة العربية والاجنبية التي تقصد سورية.

    وفي حين يلاحظ مشارك مصري ان البائع الدمشقي يمتاز بالقدرة على الترويج الرشيق لمعروضاته، ما "يضطرك للاستجابة له رغم انه ليس في مخططك التسوق"،  كان زائر عربي ينهمك في مجادلة بائع شاب حول اسعار معروضاته من القمصان واصناف الالبسة الاخرى، فبدا ان الزائر استعصى على البائع رغم مهارته وانسيابية لهجته. يقول هذا الزائر بعدما اقبل يشتري بأسعار حددها البائع،" كان هذا الشاب الدمشقي آسرا وهو يعرف بمعروضاته في هذا السوق المشهور، فلم استجب له رغم توقفي جواره".

    ويضيف" لم أمر في السوق الا لأقصد الجامع الاموي الشهير الذي تفضي اليه مداخل عديدة". موضحا "وقفت جواره بعدما دعاني لأشاهد ملابس بنوعية فاخرة وبسعر حاولت تخفيضه لكن دون جدوى". 

ويتابع ان اكثر اجاباته ملامسة للقلب تلك الجملة التي انسابت على لسانه لدى سؤالي إياه عن مكان صنع معروضاته التي يبيع .

    كان جوابه، يزيد الزائر العربي، أسرا حين قال "هذا من صنع حماة يحميها الله من كل سوء ومكروه، لأجد نفسي مستسلما امام منطقه فأدفع ما طلب، مندفعا لشراء اربع قطع لم ادر سببا حقيقيا لشرائها الا دعاء  هذا الدمشقي الشاب بالسلامة لحماة التي اعتقد انها لديه تمثل سورية التي لا تجيد التنازل عن نفسها".

    وتسهم السياحة في الناتج المحلي الاجمالي السوري بنحو 9 في المائة، وفق الوزير القلعة الذي يوضح ان عدد الاسرة الفندقية السياحية تجاوز 40 الف سرير، فضلا عن 55 الف شقة فندقية مفروشة واشكال مبيت اخرى.

     وتوقع القلعة ان يتخطى مجموع الاستثمارات السياحية خلال العام الحالي حاجز 700 مليون دولار، موضحا ان متوسط نسبة الاشغال الفندقي طوال ايام السنة تبلغ 66 في المئة.

     ويؤكد القلعة ان هذه النسبة سترتفع بوتائر ملحوظة خلال السنوات المقبلة بعدما بدأت وزارته انفاذ خطة طموحة لتطوير المنتج السياحي وتحسين نوعيته وفق التصنيف الدولي.

التعليق