عندما يتحدث سبايك لي بصوت مالكوم اكس

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً
  • عندما يتحدث سبايك لي بصوت مالكوم اكس

   عمان- (اللعنة على ابن لادن والقاعدة وكل الأصوليين في العالم.. اللعنة على اليهود والباكستانيين والسيخ والإيطاليين والروس والكوريين والبورتريكيين ورجال الشرطة والكهنة والرئيس بوش وديك تشيني.. اللعنة على الجميع.. على هذه المدينة وأهلها، على الشواذ، وعلى السود الكسالى الذين جعلوا من الرجل الأبيض شماعة لكل فشل يحققونه.. لقد انتهت العبودية منذ 137 عاماً ولا يزالون يثرثرون بذات الأفكار.. يا لهؤلاء البائسين).

    هذه كلماتٌ ثائرة رافضة أطلقها إنسان يائس سئم العالم بكل ما فيه، من ادعاء وزيف ونفاق سيطر على ناسه.. هذا الشخص هو النجم إدوارد نورتن وهذا هو كلامه في أحد مشاهد فيلم ( 25 ساعة 25th hour ) الذي صنعه المخرج الأسمر سبايك لي في العام 2002.. وبالنسبة لـ سبايك فإن هذا المشهد، بلغته الحادة، وبنفسه الثوري، يعتبر توسعاً كبيراً في طرحه، فهو الذي قصر اهتمامه في السابق على الحديث عن أبناء جلدته السود، منتقداً لهم ومعنفاً، يبدو هنا متذمراً من الإنسان ككل، أبيضه وأسمره وأصفره، من دون تمييز، وكأنه قد بلغ مرحلة اليأس من التغيير.

    جاء سبايك في العام 1988 بفيلمه (School Daza)  ليطلق من خلاله صرخته الأولى في وجه بني قومه، تلك التي جاءت في آخر لقطة من الفيلم والتي يقول فيها البطل وهو ينظر إلى الكاميرا موجهاً حديثه إلى المشاهدين: (أفيقوا.. أفيقوا).. نعم أفيقوا أيها السود ويكفيكم تقاعساً وكسلاً في زمن تسيد فيه العدو واعتلى.. هذه الصرخة ظهرت مجدداً وبوضوح أكبر في فيلمه الأجمل (افعل الصواب  Do the right thing ) لكن زاد  بأن عرض معها المثال الجيد الذي يريد من جماعته الاقتداء به، ومن للسود من مثال وقدوة غير مارتن لوثر كينغ، والداعية المسلم مالكوم إكس.. هذان الأسمران، الخطيبان المفوهان، اللذان ضج بهما عصر الستينيات وأحدثت خطبهما زلازل سياسية حركت السود في أميركا وجعلتهم لأول مرة ينظرون إلى أنفسهم باعتزاز كبير.. في فيلم (افعل الصواب) يلهج أحد الشباب السود بالفخر بهذين الرجلين، تحديداً بمالكوم إكس، الذي اعتبره كأحد أكثر الشخصيات المؤثرة في حياته وبأنه الرمز الملهم له ولبقية أقرانه الشباب.

    لكن طالما أن مالكوم إكس يحتل هذه المكانة المهمة في حياة السود، وطالما أن المخرج سبايك لي معجب به إلى الحد الذي يجعله يأتي على ذكره في كثير من أفلامه كرمز للأسمر الحر المعتز بأصله.. إذن أليس من الأولى أن يوجه عنايته بهذه الشخصية أكثر وأن يخصص لها الأعمال التي تحجز لها في سجلات الخلود مكاناً ومنزلاً؟ نعم.. لابد له من أن يعمل ذلك.. وهو في الحقيقة ما قام به فعلاً في العام 1992 حين جاء بفيلم (مالكوم إكس Malcolm X) الذي يعتبر نوارة مسيرته السينمائية، وفيه يؤرخ لحياة هذا البطل الملهم.. وهو لا يعرض حياته لمجرد العرض، بل يفعل ذلك من أجل تكريس مفاهيم الاستقلال والعزة والكرامة التي يحتاجها السود في وقتنا الحاضر الذي أصبحوا فيه مجرد أفراد بائسين مشتتين غافلين لا يملكون أي مشروع ولا أية فكرة بإمكانها أن تحقق لهم نهضة من أي نوع.. إنهم يتربعون الأرصفة مكتفين بالثرثرة وبالكلام الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ومن هنا كانت حاجتهم لقدوة مثل مالكوم.. ومن هنا كان سبب اهتمام سبايك المتزايد به.. لكن من هو مالكوم إكس وكيف امتلك القدرة على الإلهام والتغيير؟

    لمعرفة ذلك فنحن لا نملك إلا طريقين، الأول أن نقرأ كتاب السيرة الذاتية الذي وضعه الكاتب الأسمر أليكس هايلي تحت متابعة مالكوم إكس نفسه.. أما الطريق الثاني فهو أن نشاهد الفيلم الذي التزم في أحداثه وأسلوبه بكل ما ورد في الكتاب السابق.. بحيث أصبح أشبه بصورة مجسدة للكتاب.. وفي الفيلم نتابع حياة مالكوم من المهد إلى اللحد الذي انزوى فيه عام 1965 بعد مسيرة حافلة انتقل فيها من أقصى درجات التيه والغفلة إلى اعتناق الدين الإسلامي ليصبح أحد دعاته المعروفين.

    مالكوم في بداية حياته كان -كما كل السود- غافلاً يحيا حياة عبث ومجون لا يفكر فيها إلا بملاحقة النساء البيضاوات ومحاولة استمالتهن، هو يذهب إلى صالون الحلاقة ليفرد شعره كي يصبح ناعماً كالرجل الأبيض، ويطمح لأن يكون مثل النجم السينمائي همفري بوغارت، وهذه دلالات توضح إلى أي مدى كان هذا الشاب مستلباً تجاه ثقافة البيض غير معتز بأصله.. ويستمر مالكوم في ظلاله، ويتوسع في نشاطه ليصبح مجرماً وزعيماً لعصابة تحترف السرقة.. لكنه اصطدم مع السلطات ليعتقل إثر ذلك هو وصديقه آرشي وليحكم عليهما بالسجن مدة عشر سنين.. وفي السجن يلتقي بأحد أعضاء جماعة «أمة الإسلام» وهناك يعي مالكوم الحقيقة ويدخل في صراع نفسي كانت نتيجته أن أعلن إسلامه وأعلن ولاءه المطلق لـ «أليجا محمد» الأب الروحي للمسلمين السود في أميركا.. ومنذ ذلك الحين، وفور انتهاء محكوميته، انطلق مالكوم ليدعو إلى الإسلام وليبشر بتعاليم السيد «أليجا محمد».

    ومن بين ثنايا خطب مالكوم إكس النارية التي ملأت جنبات الفيلم والتي جعلت من عصر الستينيات الأميركي عصراً ساخناً ضاجاً بالمواجهات الحادة بين «أمة الإسلام» وبين زعامات البيض، نستطيع نحن التكهن بطبيعة الفكر المسيطر على هذه الجماعة، إذ يبدو جلياً ومن خلال هذه الخطب أن الإسلام الذي يفهمونه هو إسلام عنصري متطرف يضع البيض كلهم في مكانة الشيطان، ولا مكان فيه إلا للسود فقط.. إن تراكمات حقد السود على البيض وجدت لها مسرباً من خلال الإسلام، وهذا فهم مغلوط تنبه له مالكوم نفسه حين زار مكة المكرمة في أواخر حياته، ليكتشف أن الإسلام أرقى من ذلك، فهو دعوة للعدالة الاجتماعية حيث لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى، عندها تنشأ صدمته الكبرى التي جعلته ينفصل انفصالاً فكرياً تاماً عن «أمة الإسلام» وليعلن حال عودته إلى أميركا أن الإسلام الحقيقي منبعه الأصيل في السعودية، في مكة المكرمة حيث التعاليم السمحة التي تجعل الجميع في نظر الله إخوة، فالبيض والسود كلهم سواء.

    عاد مالكوم وهو أكثر إصراراً على الدعوة إلى الإسلام لكن بفهم جديد يجعله يرى في الإسلام المخلص الوحيد لأميركا من مشاكلها العديدة، هو يقول: (إن الإسلام جاء ليحارب الرذيلة والمخدرات والسرقة وكل شيء يذهب بعقولنا ويخدرنا ويقودنا إلى النوم والغفلة، إنه حين يحارب تلك المفاسد فإنه يدعونا إلى الصحوة وإلى التفكير في حياتنا بحيث لا يكون أمامنا إلا العمل والإنتاج، إنه يعلمنا كيف نحترم ذواتنا).

   يقول هذه الكلمات بصوته، لكن كأنما الذي يتحدث هو المخرج سبايك لي، إذ أن هذا الجزء تحديداً هو الذي يريده من سيرة مالكوم وهو الذي يعنيه أكثر من أي شيء آخر، فهو يبحث دائماً عن الإلهام وعن الأفكار التي بإمكانها أن تصدم السود الغافلين.. علّهم في النهاية يسمعون صرخته القديمة.. تلك التي تقول: (أفيقوا.. أفيقوا).

التعليق