مكتبة الإسكندرية تصدر كتاباً عن دور مطبعة بولاق

تم نشره في الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • مكتبة الإسكندرية تصدر كتاباً عن دور مطبعة بولاق

    القاهرة - أصدرت مكتبة الإسكندرية كتاباً قيّماً بعنوان "مطبعة بولاق"، أعده الباحثان خالد عزب وأحمد منصور، وكتب مقدمته الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة. يتناول الكتاب شرحاً مفصّلاً وتعريفاً متكاملاً بهذه التحفة التاريخية "مطبعة بولاق" التي لولاها ما وصلت الحياة الأدبية والثقافية في مصر إلى ما هي عليه الآن، ويلقي الكتاب الضوء باستطراد على دور المطبعة في إنارة مصر فكرياً ومعرفياً.

يتضمن الكتاب في صفحاته الأولى بزوغ الطباعة في العالم قديماً في كل من الشرق الأقصى وأوروبا والمشرق العربي، ثم يتضمن في فصله الثاني ظهور الطباعة في مصر ونشأة مطبعة بولاق، ويأتي الفصل الثالث ليقدم المطبعة في عهد أسرة محمد علي، أما الفصلان الرابع والخامس فيقدمان إصدارات مكتبة بولاق المختلفة، وأخيراً ظهور الصحافة في مصر.

   من بين ما يشير إليه الكتاب أن الطباعة قد ظهرت في مصر مع دخول الحملة الفرنسية "التي مكثت ثلاث سنوات في الفترة من1798إلى 1801"، حيث كان نابليون بونابرت يؤمن بقوة المطبعة. ولم يكن وجود المطبعة على سفينة القائد العام للحملة نفسها أمراً وليد المصادفة، حيث أمر بأن تعمل وهي في البحر لتطبع النداء الموجه إلى شعب مصر. وقد شدد نابليون بونابرت الرقابة الصارمة على المطبعة بحيث لا تصدر عنها مطبوعات بغير علم القيادة العامة أو تذيع ما من شأنه أن يمس النظام أو يسيء إلى الرأي العام الفرنسي أو المصري، وكانت المطبعة دائماً ملازمة لمعسكرات الجيش. وأما محمد علي باشا، الذي حكم مصر بين عامي 1805/ 1848، فقد فكر في إدخال الطباعة في عام 1815 حينما بدأ الإعداد لإنشاء جيش نظامي يحكم به سلطته على البلاد، حيث كان لا بد لهذا الجيش من كتب يتعلم بها أصول الحرب وأنواع الأسلحة المختلفة، فما كان من محمد علي إلا أن أصدر أوامره بإنشاء مطبعة بولاق في عام 1820 لطباعة ما يلزم من كتب القوانين والتعليمات.

   وقد اقترن تاريخ المطبعة منذ بدايته بتاريخ الجيش المصري، فلم تنشأ مطبعة بولاق مستقلة بذاتها، إنما كانت جزءاً من مشروع كبير كان يرمي إلى خلق مدنية مصرية جديدة تقوم على القوة والسيادة والعلم الحديث، ومن ثم فإن مطبعة بولاق ليست مجرد آلات للطباعة، بل هي رمز حي على مرحلة فاصلة في تاريخ مصر، وشاهد صدق على ذلك التحول الكبير الذي بدأت معه مصر مرحلة جديدة نحو النهوض. وقد كانت المطبعة السبب الرئيسي في ذلك التحول الكبير الذي خرجت مصر بموجبه من عصور مظلمة إلى نور المعرفة والحرية والوعي، وقدمت مطبعة بولاق للمصريين زاداً كانوا في حاجة إليه؛ هذا الزاد هو المعرفة الواسعة في وعاء جديد عليهم "الكتاب المطبوع". ومن هنا، كما يوضح الكتاب، يمكن اعتبار أن مطبعة بولاق هي التي أيقظت العقل المصري، وأصبحت مثل عصا سحرية أدت إلى خلق طبقات اجتماعية جديدة، وأصبح العلم بفضلها مشاعاً، وأهم دور قامت به أنها قد ألغت الاحتكار الفكري.

   وفي مقدمته للكتاب يقول الدكتور إسماعيل سراج الدين: إن تاريخ مصر قد حدثت فيه طفرة علمية ومعرفية مع ظهور مطبعة بولاق، حيث إن الطباعة قد جعلت العلوم والمعارف والآداب والأفكار تخرج من نطاق المحدودية التي تفرضها عملية النسخ اليدوي إلى عالم أرحب، أكثر اتساعاً وأكثر سرعة في تداول المعارف والعلوم، وحولت العلم إلى شيء مختلف يدخل البيوت، ويؤثر في كافة مناحي الحياة اليومية للإنسان. وإن الوعي العام لدى المصريين اختلف ونما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع ظهور الصحافة كإحدى ثمرات المطابع الخاصة التي يعود الفضل في وجودها إلى مطبعة بولاق التي نشأت في أول الأمر لخدمة المشروع الحربي لمحمد علي. فإذا كان اختراع الورق قد سهّل تداول المعارف نظراً لرخص سعره عن البردي، فإن الطباعة قد جاءت لتخرج المعارف والأفكار من النطاق المحدود إلى عالم لا محدود.

وعن طريق مطبعة بولاق بدأت حركة إحياء الكتب القديمة وطبعها، بعد أن كانت الكتابة تعتمد على النسخ اليدوي حتى نهاية القرن الثامن عشر، وقد أخرجت مطبعة بولاق أعمال مفكرين وكتاب كبار في تاريخ الفكر العربي من أمثال ابن خلدون والجاحظ وابن المقفع، بالإضافة إلى دواوين أبي تمام والمتنبي وأبي نواس وغيرهم، كما أصدرت كتباً ترجمها أعلام مصريون من لغات أجنبية متعددة.

   وقد اختلف المؤرخون حول تاريخ إنشاء مطبعة بولاق، لكن على الأرجح أنه تم البدء في إنشاء المطبعة في سنة 1820. وقد تطورت آليات الطباعة التي مرت بها مصر من مرحلة الطباعة بواسطة ألواح النحاس، إلى مرحلة الحجر، ثم الطباعة بالحروف، كما تطورت آلات الطبع خلال عدة مراحل.

ويشير كتاب "مطبعة بولاق" الموسوعي إلى أن الدور الذي قامت به المطبعة في التثقيف ونشر المعرفة يرتبط بما حدث في عصر الخديوي  إسماعيل بخاصة من اتساع دائرة التعليم، حيث كثر الجمهور الذي تخاطبه من القرّاء، فتعمقت فاعلية وجودها، وأصبح أثر ما تنشره كبيراً، فتحول الأثر من مجرد نشر المعرفة إلى تفتق الوعي الجمعي، وإلى تكوين رأي عام.

التعليق