المشايخ: معظم نقادنا لا يقرأون ولا يطلعون على النصوص

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • المشايخ: معظم نقادنا لا يقرأون ولا يطلعون على النصوص

ناقد اردني يعود الى نظرية البقاء للأصلح

 

حاوره: زياد العناني

يرى الناقد محمد المشايخ ان النصوص المفتوحة قد ساهمت الى حد كبير في "خربطة" الناقد وابتعاد عن هذا السيل المندفع بكل اتجاه طلبا للسلامة وعدم الدخول في مغامرة لا تحمد عقباها.

ويشير المشايخ ان المدونة النقدية الان تعج بالدخلاء لافتا الى ان هذه الازمة تحديدا من صناعة المحررين الثقافيين الذين يوجهون بعض الصحافيين كما يوجهون الكتابة الى مؤلف يخصون بغية تلميعه والعمل على استظهاره بكل الوسائل المتاحة من دون ان يتحملوا مسؤولية النص الرديء او حتى مسؤولية الناقد الحقيقي.

الغد التقت الناقد محمد المشايخ وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته النقدية ورأيه في المدونة النقدية اضافة الى تصنيفه على انه ناقد انطباعي من قبل الكثير من الكتاب والنقاد معا.

* كناقد كيف تنظر الى المشهد النقدي في الاردن الان?

- ترتقي الكتابة الابداعية في المملكة, ويتفنن المبدعون جماليا وموضوعيا في انتاجهم الغزير, ويقف النقاد امام ذلك الانتاج حائرين, فمنهم من كبله النقد الاكاديمي بقيوده التي لا يستطيع تجاوزها, واخرون كبلتهم الصحافة, فجاء نقدهم الصحفي متسرعا, وكثيرون ادهشهم النقد الانطباعي, فكتبوا وجهة نظرهم الاولى غير المستندة الى اية قواعد نقدية.. والاغلبية من النقاد صامتين.. وما زلت اذكر منذ الثمانينات كلمة للناقد د. خليل الشيخ, حين وصف حالتنا النقدية, وقال انها بحاجة الى الناقد الغائب الذي يلبي طموحاتنا وتطلعاتنا.. والاشكالية التي نعانيها اليوم, اننا كلما عدنا لماضي الحركة النقدية نجدها في قمة التألق والازدهار.. كنا نقرأ لعيسى الناعوري ولغالب هلسا ولحسني فريز ولتيسير سبول ولغيرهم من العمالقة.. ويبدو ان ذلك الجيل قد استبدل بجيل اخر, فبعد سبعة حروب شهدتها المنطقة, يبدو ان سمة الاندهاش قد طغت على الاغلبية, فلم تعد تعرف ما الذي تريده, حين كانت تصدر رواية قبل سنوات لمؤنس الرزاز على سبيل المثال كنا نقرأ عشرات الدراسات حولها, اليوم تصدر روايات لهاشم غرايبة وسميحة خريس وجمال ناجي وزياد قاسم وليلى الاطرش ومحمد ازوقة وابراهيم نصر الله ومحمود عيسى موسى, ولغيرهم من عمالقة الرواية, وحين تبحث عن الدراسات النقدية حولها, قد تجد كما معقولا, ولكن نسبة النقد فيما يكتب قليلة.. ثم لا اكتمك ان بعض المبدعين "خربطوا" النقاد, فحين تجد نفسك امام عشرات النصوص المفتوحة من مثل تلك التي يكتبها د. سليمان الطراونة على سبيل المثال, نلاحظ ان النقاد يقفون مكبلين امام هذا السيل المندفع من العطاء الثقافي والابداعي الشمولي المتدفق من كل الاتجاهات فالعمل الموسوعي احيانا يثري تجربة وقريحة الناقد, ولكن لدينا في الاغلب الأعم, قد يصاب الناقد بالصمم, ولا يستطيع التعامل مع مثل هذا التدفق الابداعي, واخيرا اود ان اشير الى هذا الانتقال من مرحلة الابداع الى مرحلة النقد الفجائي المدهش والذي يستحق ان يشار له بالبنان, والذي يسطره عدد محدود من مبدعينا.

* برأيك هل ثمة مدونة نقدية يعتد بها مقارنة مع المدونات النقدية العربية?

- ثمة عشرات المناهج والمذاهب والدراسات النقدية الغربية والعربية, التي تفتقر الى الاطلاع عليها, ومن ثم الى تطبيقها في دراساتنا النقدية, بصراحة معظم نقادنا لا يقرأون.. وان قرأوا, فانهم عندما يطلعون على النصوص التي تحتاج الى نقد, فانهم ينسون ويتجاوزون تلك المناهج.. اذا انتقلنا الى الوطن العربي, فاننا نجد في كل قطر عددا محدودا من النقاد الذين يمتلكون مذهبهم ومنهجهم النقدي.. ولدينا في الاردن عددا مماثلا, ولكن الاغلبية التي تشرّق وتغرب, ويصعب حتى على ادونيس الذي يصعب فهمه ان يفهم عليهم, فما بالك بالقارئ العادي.. هذا سؤال في المحك, كيف يكون الناقد ناقدا وليست لديه اية خلفية نقدية, وهنا اعتب على بعض المحررين الثقافيين الذين يتيحون لكتاباتهم الفرصة لان تظهر في صحافتنا الثقافية.. يتحدثون عن مهننة النقابات.. ولنا وبوحي من هذا السؤال ان نطالب بتدريس النقاد فن النقد الذي لن يكتمل الا بما لديهم من موهبة وقريحة وتجارب ورؤى ابداعية.

* ماذا تقول في ظاهرة استشراء النقد الصحفي وتغوله على حساب النقد الابداعي, وعلى من تقع المسؤولية في هذا المجال?

- دعني اعفو عن النقاد الانطباعيين والصحفيين, ولأطالب من قلة النقد الابداعي المتوافر, بنقد يدخل في هذين الصنفين, المهم ان يكون لدينا نقد.. وفيما بعد لنأتي لمرحلة الغربلة والتصفية, والزمان هو الكفيل ببقاء الاصلاح وديمومته وخلوده, وبإلحاق ما تبقى في مزبلة التاريخ, مثلا ما كتبه د. احسان عباس كانت فيه مادة نقدية, قيمة من جهة, وفيها ايضا تعليم للنقد لمن يجهلونه, وما يكتبه بعض الاقزام الذين يتنطحون للكتابة النقدية, وحين تمتحنهم او يمتحنهم حتى هواة الادب نجدهم ينكشفون, ناقد كتب دراسة استخدم فيها مصطلح التشويلية, بصراحة اندهشت من هذه الكلمة واستغربت وجودها في مادة نقدية, لما سألت صاحبها عن دلالتها النقدية قال انها من كلمة "الشوال: الخيش" فربك اي نقد هذا الذي يطرحونه علينا وهم يتوقفون عند قصص وقصائد وروايات ونصوص تفوق الكثير من المطروح عربيا, وعندما تحال الى التقويم والنقد, يحصل لها ما حصل مع قصة فخري قعوار التي احيلت الى مادة درامية تلفزيونية, فحين شاهدها ابوانيس فوجئ ان فيها امورا لم يكتبها ولم يشر لها على الاطلاق وخاصة هز الخصر والرقص والزيطة والزمبليطة, اما الذين يتحملون مسؤولية استشراء النقد الصحفي وتغوله, فهم ببساطة المحررون الثقافيون الذين يتساهل بعضهم احيانا عن قصد, لا سيما اذا كان الكتاب المنقود لمؤلف يخصهم, وغالبا الذي يتحمل المسؤولية هو الناقد الصحفي نفسه, ولتقريب هذا الامر اكثر, نقول ان معظم سائقي الحافلات المتوسطة يسرعون ويقعون بحوادث قاتلة ولا تردعهم كل مخالفات رقباء السير, لانك ان سألت السائق لم تسرع, سيجيبك ان مالك الحافلة بحاجة الى مبلغ مقطوع, وعلى السائق ان يدمر نفسه وحافلته ومن فيها ومن في الشارع ايضا لانجاز ذلك المبلغ, ولدينا ايضا نقاد عليهم ان يقدموا في اليوم الواحد اكثر من مادة صحفية ونقدية لملء الصفحات.. فما الذي يضيرهم لو اسرعوا.. ودمروا النقد والمنقودين وحتى الصحافة الثقافية نفسها.

* منذ سنوات اتجه النقاد الى حقل السرديات تاركين الشعر بين يدي الشعراء بلا نقد برأيك هل هو العجز عن متابعة التطورات الشعرية ام ان حقل السرديات تصدر الشأن الابداعي برمته?

- دعني اجيبك بصراحة, ان الشعر الذي هو ديوان العرب, اختلط معظمه في الآونة الاخيرة بالفانتازيا, فحتى يكون الشاعر حداثيا ومطلعا حتى على ما بعد الحداثة ومستغرقا في العولمة حتى الثمالة, عليه ان يكتب "شروي غروي", هنا ارجوك الا تلوم ايا من النقاد امام هذا الصنف من الشعر الذي دوخ حتى الشعراء انفسهم, بدليل ان د. عزالدين المناصرة ألف كتابا حول قصيدة النثر التي اسماها "الخنثى", على صعيد اخر دعني اختلف معك, ففي حال تقصير بعض النقاد, فان المؤسسات تقوم بالواجب, بدليل صدور اكثر من كتاب مختص في نقد الشعر عن وزارة الثقافة وامانة عمان وبعض الجامعات, اما السرديات, فدعني اعترف لك ان فن الرواية تحديدا لم يكن له مجده في السبعينات, حتى ألف الناقد د. حسين جمعة كتابا بعنوان مستقبل الرواية, ولما ألف د. خالد الكركي كتابه المشهور عن فن الرواية في الاردن, وحين وصل للملكة عائدا من بيروت الروائي مؤنس الرزاز, بعد الغزو الاسرائيلي لبيروت عام ,1982 اكمل ما كان بدأه الروائيون قبله, وارتقى بالمحلي والعربي المتوافر, وادخل الساحة كلها في اتون تجديد موضوعي وجمالي مدهش, اكمله الروائيون الموجودون في الساحة قبله وبعده, ومثله فن الرواية والمسرح, فهذين الفنين متهمين في الاصل انهما ليسا من اصول عربية, وان بدايتهما كانت عبر المترجم, او عبر ما وصلنا من حكايات وبالتالي كان الاهتمام بهما متأخرا, وهذا الاهتمام المتأخر, احدث ميلا واضحا نحوهما على حساب الشعر, على كل حال الفنون تكمل بعضها, والتركيز على احدها على حساب الاخر في بعض الاوقات لا يضير, المهم ان تستمر القافلة في السير.

* يتم تصنيفك من قبل النقاد على انك ناقد انطباعي كيف ترد على هذا التصنيف بعد تجربتك الطويلة من النقد الادبي?

- كانت دراستي للنقد الادبي خلال السنوات 1973 - 1977 على يد عدد من اهم النقاد الاكاديميين من مثل: د. محمود السمرة, د. هاشم ياغي, د. محمد عصفور, د. سمير قطامي, وغيرهم, وفي اثناء دراستي الجامعية وفي السنوات الاولى من كتاباتي النقدية في الثمانينات, كنت اكتب وفق المنهج التكاملي في النقد, هذا المنهج الذي يشمل العديد من المناهج من مثل المنهج التاريخي, والمنهج النفسي, والمنهج الجمالي وغيرها, وحين تعرفت الى الاستاذ خليل السواحري المحرر الثقافي في جريدة الدستور آنذاك, وعلى الراحل حسان ابوغنيمة محرر صفحة دنيا الثقافة والفن في الجريدة نفسها, بدءا يكلفاني بإعداد دراسات نقدية صحفية انطباعية بشكل شبه يومي, ولانني كنت اعمل في اكثر من وظيفة ولا امتلك الوقت للقراءة, ثم للكتابة وفق المنهج التكاملي الذي اعلن انحيازي التام اليه, فقد اخذتني الارشفة, وملت للآراء السريعة لتلبية طلبات الصحف والمجلات, وهكذا سقطت في فخ النقد الصحفي الذي اتمنى ان اتحرر منه.

سؤالك هذا, ينبع من قريحة شاعر مبدع جريء احترمه, وارى فيه ما يدق ناقوس الخطر, كي ارجع الى منهجي, وادع الترجمة والارشفة لأهلهما.

التعليق