"أرصفة السماء" لجمال البحري: الانسحاب من غزة في لوحات

تم نشره في السبت 10 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • "أرصفة السماء" لجمال البحري: الانسحاب من غزة في لوحات

رسائل سياسية في أول معرض تنظمه الإغاثة الزراعية

 

يوسف الشايب

"ليس معرضاً عادياً"، هذا ما يمكن أن نخلص إليه فور دخولنا إلى "أرصفة السماء"، المعرض التشكيلي الأول للفنان الفلسطيني الشاب جمال البحري، وهو الأول الذي تستضيفه الإغاثة الزراعية في رام الله، ضمن رؤية جديدة تعمل من خلالها على توظيف الفنون في التعبير عن هموم وقضايا الشعب الفلسطيني.

ما إن تدخل المعرض حتى ترى ما يشبه الخريطة على أرضيته، ربما هي خريطة الطريق، أو خريطة اللاطريق، وربما هي تخطيط قلب الفلسطيني، الذي بات يكره كل شيء، بسبب الحواجز، وجدار الفصل العنصري، وسياسات الاحتلال المختلفة، لكنه يحب الحياة، ويتشبث في الأرض مهما تقزم.

ظلال بيضاء، وواقع أسود .. صاحب اللوحات أشار إلى أن البياض تعبير عن الصفاء والنقاء الفلسطينيين، رغم الشوائب التي تحيط بنا من كل اتجاه، في حين أشار آخرون إلى أن لعبة الظل الأبيض، ربما تعبر عن "حياتنا كمهمشين، نعيش في الظلال"، أو هي محاولة "للبحث عن مساحة بيضاء، حتى لو كانت ظلاً واهياً".

اللوحات تحمل من العمق، ما تحمله من الغموض والأحاسيس، ما يفتح المدى أمامك موارباً .. فالجدار أعقاب سجائر يحرق بها الفلسطينيون أنفسهم، وربما أعداءهم عند الحواجز العسكرية، والانسحاب من غزة، مكعبات ثلج تصب الماء في الضفة، والمعاهدات محض "خربشات"، والأمل لا يزال موجوداً لعاشق يبحث عن فتاته ما بعد "إيرز" .. هناك عند البحر، أما الانفلات الأمني، فهو انفلات لوني، وهروب من أية قواعد في الرسم.

استطاع البحري بذكاء، أن يجبرنا على الإبحار مع ريشته، ساعده في ذلك الديكور المحيط باللوحات، والذي نفذته مجموعة (6D)، أو "الأبعاد الستة"، وهي مجموعة من الشبان الموهوبين، من متطوعي الإغاثة الزراعية.. ففي لوحة "أرصفة السماء"، ثمة آثار لجنازير الدبابات .. آثار واهية لكنها تسكن النواحي كلها، خاصة في التقاطعات، حيث يصعد الشهداء إلى السماء.

منسق المعرض، شادي شاهين، يرى فيه تجسيداً لطموحات ونضالات الشعب الفلسطيني، بلغة فنية جديدة ومختلفة، تتميز بالعمق والرقي، والابتعاد عن الشعاراتية والرتابة في الطرح، ويقول: لوحات البحري، والديكور المرافق له، جسدا مقولة "الصمت أبلغ أحياناً من كل الكلام"، فهم هنا عبروا عن الكثير مما يريد الفلسطينيون التعبير عنه، دون صخب، وبلوحات فائقة البلاغة.

ويشير منجد أبو جيش، مدير دائرة الضغط والمواصلة في الإغاثة الزراعية، إلى أن المعرض يأتي ضمن سياسة جديدة للإغاثة الزراعية، تتحول وفقها من مؤسسة تقدم المساعدات، إلى مؤسسة عاملة في التنمية .. ويقول: تشجيع الفنون، ودعم المبادرات الشابة، في صلب التنمية، والمعرض استطاع إيصال رسائلنا السياسية، والإنسانية، بأسلوب مختلف ومؤثر.

ويضيف أبو جيش: تفاجأت من الحضور الكبير، والاهتمام العالي من قبل فئات مختلفة، بالمعرض الفني الأول للإغاثة .. لم نتوقع كل هذا النجاح .. لكنا بدأنا ندرك أهمية الفنون في التعبير عما نريد، فالفنون من أقصر الطرق للوصول إلى قلوب الفلسطينيين، وغيرهم من شعوب الأرض.

ويؤكد أبو جيش أن الإغاثة تسعى لنقل المعرض إلى عواصم عربية وعالمية، لتحقيق الأهداف المرجوة منه، في حين سيتم نقله أيضاً إلى مدينتي نابلس، والخليل.

ويرى عدد من الفنانين والمهتمين، أن "أرصفة السماء"، ميلاد لفنان تشكيلي فلسطيني، سيترك بالضرورة بصمة خاصة به، تحمل اسم جمال البحري، الذي كتب في إحدى لوحات المعرض: "زهقت روح البرعم، وهو يشق طريقه نحو الحياة في ربيع غريب، مرّ في أحد التشرينين".

التعليق