د. البستنجي: لا زلت اركض خلف ظل القصيدة لأحتمي به من شموس تنهش الذاكرة والوجدان

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • د. البستنجي: لا زلت اركض خلف ظل القصيدة لأحتمي به من شموس تنهش الذاكرة والوجدان

شاعر يعتقد ان "الوطن ليس تراباً  بل مجموعة من العلاقات"

 

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى الشاعر د. حيدر البستنجي ان انقطاعه عن الكتابة، قد اخذ مساراً باتجاه التأمل وكتابة القصيدة التي لم تعد مطلباً يومياً بالنسبة له بعد ان ادرك انه يجب ان يتحلل من تجربته القديمة لمصلحة قصيدته التي يريدها خصوصاً بعد ان تجرد من فكرة الرغبة في اعجابب الاخرين وتقديم الكتابة على انها كتابة للهم في وقفة صدق مع نفسه وفي رحلة بحث عن جوهر الشعر تتخطى مرحلة ارضاء المشهد الثقافي.

"الغد" التقت صاحب مجموعة "ابواب الاياب" وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الشعرية القديمة منها والجديدة اضافة الى غيابه عن المشهد والاغتراب الداخلي والخارجي.

*بعد غياب طويل اين انت الان من الشعر؟

 - الشعر حاضر دائماً اما القصيدة فأصبحت عصية بعد ذائقة خاصة تكونت في مخاض مرت فيه البلد . في الغربة يحضر الوطن بقوة وتصبح التفاصيل مشابك للذاكرة. لا زلت اركض خلف ظل القصيدة لاحتمي به من شموس كثير تنهش في الذاكرة والوجدان. اما الكتابة بمعناها الحرفي فهي طقس يومي. ما تغير هو شلة الصحب التي تقرأ كل جديد وتنقح وتعجب به او تنقده. ما تغير هو العلاقة الحميمة بين النص والمتلقي او ما اسميه اعادة انتاج النص ولهذا اعتبر نصوص الغربة نصوصاً اولية او اطفالاً في طور التشكيل. منحتني الغرببة مفردات جديدة واخذت مني شيئاً من موسيقى الشعر فأصبحت اجد نفسي في قصيدة النثر اكثر حرية.

*  ما علاقة الغربة بقصيدة النثر؟

 

 -تمنحك الغربة اطلالة بعيدة عن المشهد الثقافي، فتنظر له ككل متكامل تدرك حراكه وابعاده وانت معزول عن التأثر المباشر به. تصبح اكثر حرية وشفافية ولهذا تبدأ بالتخلص من الزوائد كلها. ربما تكون اكثر قرباً من نفسك وعندما تخاطب نفسك تتشكل لديك موسيقى خاصة متمردة على الشكل واكثر انسانية وهنا تطغى قصيدة النثر بلا تكلف. في الغربة لا منابر ولا خطابية ولا تنافس ولا اخرين، انت الكاتب والقارىء والناقد ولهذا تشعر بصدق النص وعفويته. ولا شعورياً تجد نفسك تتخلص من كل موسيقى الشكل لتغوص في الجوهر. تختزل الحالة بشعرية خاصة.

* حين يكون الشاعر في الوطن يتحدث عن الاغتراب الداخل وحين يغترب يتحدث عن الغربة برأيك كيف تفسر الحالتين؟

- حالة الفجوة القائمة بين الواقع والرغبات الاهواء والمكان وما نريد وما ينبغي ان نكون حالة عامة وربما لا يمر انسان دون ان يشعر بها وهي تظهر اكثر عند الشعراء نظراً لحساسيتهم الفائقة تجاه  التفاصيل  اليومية. ان الشارع اليومي المستحيل ودوامة الانكسارات تخلق حالة مزدوجة من الغربة حتى في رحم الوطن. فالوطن ليس هواء وتراباً او حالة مجردة هو ببساطة مجموعة هائلة من العلاقات التي تنسج خيوطها حول الفرد وفي داخله وبمقدار انفصالنا عن القدرة على الفعل والتأثير بمقدار غربتنا. المسألة لا تقاس بالامتار. اوطان كاملة تتحول الى سجون وحجرات صغيرة نتنفس فيها الحرية وعلاقات مريضة تجثم على صدورنا ثم نتحدث عن الاغتراب داخل الوطن وخارجه. الوطن هو الامل وعلى الشاعر ان يلهث خلف خيوطه. خارج الوطن انت حر من الشكل مقيد في الجوهر وداخله انت مقيد بالاثنين وعليك ان تجترح معجزة البحث عن الذات والتعبير عنها في كلتا الحالتين. ربما  مازلت ريفياً بسيطاً يقيس الامور بمقاييس الطقس ومتغيرات الاهواء، ولكنني اشعر ان الانسان كل لا يتجزأ والهم الانساني العام كل لا يتجزأ ايضاً. في الغربة تحضر الرموز والعناصر الاولية تغوص في التاريخ تبتعد عن اليومي ولكن تبقى انت.

* الشاعر الطبيب, الطبيب الشاعر ايهما افاد الاخر في التجربتين؟

- في البداية اكسبني الطب اطلالة على المعاناة والالم الانساني. انت امام المريض تشعر ان معاناتك وتهويماتك الفردية تغوص بعيداً تشعر انك امام حالة تحتاج الى اكثر من الكلام، وعندها يغوص الشعر ليخرج من جديد ممزوجاً بالهم الخاص والعام، من هنا لا يستطيع الشاعر ان يتفرد اذا عبر عن ذاته فقط. كما لا يستطيع ان يهمل ذاته ويتماهى مع الاخرين؛ هو مزيج لا شعوري من هذا وذاك، وكلما كان صادقاً مع نفسه كان قريباً من الآخرين. وكذلك الطبيب تاريخياً نجح الكثير من الاطباء في تطوير الشعر والطب معاً، وعموماً لا اعاني من اي انفصال وان كنت اعتقد ان الطب يمنحك دفئاً انسانياً خاصاً واطلالة على نماذج انسانية مهمة تشكل ركيزة للمخيلة البشرية وبوابة للتحليق الشعري. انا هنا اتحدث عن الشعرية كمفهوم وليس عن القصيدة كحالة مجردة فحسب.

 يكتسب الشاعر قدرة على التحليق واعادة بناء الرموز والعناصر الاولية من جديد كما يكتسب الطبيب قدرة على الانفصال عن الظاهر والغوص عميقاً بحثاً عن الروابط والاسباب. وبطريقة ما يجد العقل القدرة على الربط بين الاشياء جميعاً والخروج من القوقعة. ما يشبه اللؤلؤ او اشد بريقاً. انا اعتقد ان العقل البشري اكثر تعقيداً من تصنيفاتنا السخيفة وهناك كم هائل من العلاقات بين الاشياء تعجز عن ادراكه المخيلة البسيطة وهنا يحلق الشعر في عالمه الخاص. في ديواني الاول (ابواب الاياب) اعدت البحث عن العناصر والرموز الباقية بعد غياب طويل حضرت المرأة وشجر اللوز والحنين. حضرت التفاصيل والمخيلة واعادت خلق الحوادث واللقاءات. حضر فنجان القهوة وغاب الجسد. في قصائدي الجديدة اعيد ترتيب العناصر متخلصاً من لعنة الغياب. اخرج المكونات جميعآً بحثاً عن الأنا ابحث عن وجه ضاع في الدروب المتشعبة والخيارات الخائبة.

* بماذا تتقاطع تجربتك الاولى مع التجربة الثانية؟

بصراحة في قصائدي الاولى كنت الهث خلف رضا الاخرين ما يصلح وما لا يصلح كانت الانا داخل صندوق زجاجي يلونه المشهد الثقافي ويغطى عليه؛ اما في تجربتي الجديدة فأنا اشعر انني متحلل من كل هذا. انا وكما اريد وقصيدتي قد لا تصلح الا لي، لا يهمني لقد تجردت من الرغبة في اعجاب الاخرين. كنت ابحث عن كتابة من نوع مختلف. كنت ابحث عن الاعتراف. كنت ابحث عن البوح بما هو مشترك واصبحت الان متجرداً من كل هذا ابحث عن اصل العناصر والرغبات احاول فهم ما اريد دون اي قيود. اتلمس وجهي في النص دون اصابع الاخرين وبصراحة ربما كانت هذه حالة صدق مع الذات.

* كأنك تطعن بسمو مقصدك الشعري الاول؟

- لا اطلاقاً انا هنا اتحدث عن الحالة العامة والشكل وليس الجوهر وحين اتحدث عن ارضاء المشهد الثقافي فأنا اعترف انني انحنيت قليلاً على حساب حريتي في التعبير. كانت الرغبة في النشر والحصول على العرفان والتقدير تغطي على الشعرية احياناً.

* ما الذي حصنك الان من عبث هذه الرغبة؟

- هناك عدة عوامل؛ اولاً اعتقد ان التجربة نضجت مع الوقت واصبحت قادراً على التخلص من الزوائد التي كانت تشغل نصوصي الاولى دون اي اهتمام برأي الاخرين ثم لم اعد اعيش على هاجس كتابة القصيدة. لم تعد القصيدة مطلبي اليومي. اصبحت ابحث عن الشعرية لاتذوقها واستمتع بها واصبحت مطلاً على ما اريد ان اكتب وما لا اريد كتابته، لا ما يريده الاخرون، ولكن صادقاً فان ما قلته ليس خالصاً مئة بالمئة. ولا اعتقد انه يوجد مبدع يصل الى هذه الحالة المطلقة بعد عصور من التابوهات الخانقة. هل استطيع ان اتحرر من قيود الكتب وعقود القمع وسيطرة الشكل والنمذجة؟ كل ما اقوله انني الان اكثر وعياً بما اريد واحاول  تلمسه والاقتراب منه. وفي النهاية نحن بشر لنا ضعفنا وسيئاتنا ونزاوتنا ودواخلنا واشياؤنا التي نخجل منها او نفتخر بها، لنا عشقنا وانكساراتنا. لم اعد اقيس الامور بأي مقياس مسبق. انا الان في كل هذه الاشياء مجتمعة دون اي حكم مسبق.

(تصوير : محمد ابو غوش)

التعليق