تباين في مواقف المثقفين المصريين من الحكم

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً

   القاهرة - بعد 24 عاما من التعايش مع نظام الرئيس المصري حسني مبارك، بدأ صوت المثقفين المصريين يعلو ونزلوا الى الشارع يعلنون رفضهم "تمديد الحكم وتوريثه" ويطالبون باصلاحات ديموقراطية جذرية.

فخلال الشهرين الاخيرين نظم بضع مئات من المثقفين الذين شكلوا اخيرا حركة "ادباء من اجل التغيير"، تظاهريتين في قلب القاهرة امام مكتبة مدبولي الشهيرة، احد اهم رموز حركة النشر في مصر، احتجاجا على التمديد للرئيس المصري حسني مبارك لولاية خامسة وعلى محاولات "توريث الحكم" لنجله جمال.

   واعادت هذه التظاهرات طرح مسالة العلاقة بين نظام مبارك والمثقفين المصريين الذين يعترف بعضهم بان السلطة المصرية تمكنت على مدى سنوات طويلة من "احتواء بعضهم وتدجينهم". ويقول الروائي جمال الغيطاني "كان خفوت صوت المثقفين خلال هذه السنوات الطويلة جزءا من صمت المجتمع ككل كما كان نتيجة محاولات التدجين التي اتبعت مع بعض المثقفين واتت بنتيجة".

ويضيف "ولكن بعد ان كسرت حركة كفاية حاجز الرهبة رأينا فنانين وادباء يتظاهرون ويغنون في الشارع وبطالبون بالتغيير".

ويرى الغيطاني ان "النظام تعامل مع المثقفين بمنطق الانظمة الشمولية ووضع على راس وزارة الثقافة وزيرا مزمنا (فاروق حسني الذي يتولي منصبه منذ ما يزيد على 17 عاما) ورفع شعار ادخال المثقفين الى الحظيرة وتم استخدام الثقافة كسلاح اعلامي للدعاية للنظام".

ويدلل الغيطاني على ذلك بان وزارة الثقافة "كان همها الاول الاحتفاليات التي تقام لكي يحضرها مبارك لافتتاح قصور ثقافية او غير ذلك وتحولت الثقافة الى مظهر بلا جوهر".

ويضيف "ونتيجة لهذه السياسة فقدت مصر دورها الثقافي في العالم العربي، فالانتاج السينمائي تراجع من 150 فيلما الى ما لا يزيد عن عشرين سنويا ولم تعد مصر كما كانت مصدرا للكتاب بل اصبحت الريادة في النشر لدول الخليج".

ولكن الغيطاني يعتقد انه "ثبت اليوم فشل سياسة الاحتواء فلا يوجد مثقف محترم واحد يدافع عن مبارك وفي اسوأ الاحوال يلتزم المثقفون الصمت".

   ويتبنى الموقف نفسه الروائي صنع الله ابراهيم الذي فجر قبل عامين قنبلة هزت الاوساط الثقافية والسياسية المصرية عندما اعلن في احتفال رسمي رفضه لجائرة مهرجان الرواية العربية التي كانت وزارة الثقافة قررت منحها له "احتجاجا على سياسات الحكومة المصرية وفقدانها المصداقية".

ويقول ابراهيم "كان حسني مبارك حريصا منذ بداية حكمه على محاولة استيعاب المثقفين وانشأ خصيصا لهذا الغرض المجلس الاعلى للثقافة الذي بدا يستجيب لمطالبهم الشخصية والثقافية".

ويتابع "نجحت هذه السياسة لفترة وكنا نلاحظ فعلا ان صوت المثقفين تراجع". ولا يرى ابراهيم انه "ينبغي النظر للمثقفين ككتلة مميزة داخل المجتمع فهم مواطنون عاديون لهم اسر واطفال واحتياجات يؤثرون ويتاثرون كغيرهم بالمناخ العام وبالتطورات التي تحيط بهم".

ويقول ابراهيم "خلال السنوات الاخيرة بدا الجو العام في البلد يشجع المثقفين وانا منهم على اعلان مواقفهم خصوصا في ظل ضعف النظام الذي عجز عن توفير الاكل للناس".

ويؤكد ان "حركة كفاية التي شكلت بشكل عفوي اسستها مجموعة من المثقفين وكانت تعبيرا عن تململهم".

   ولكن عماد ابو غازي الاستاذ بكلية الاداب بجامعة القاهرة والمشرف العام على المجلس الاعلى للثقافة له وجهة نظر نقيضة. ويقول ابو غازي ان "العلاقة بين قطاع غير قليل من المثقفين والدولة ايجابية منذ بداية الثمانينيات بسبب عدة عوامل بعضها يرجع للدولة والبعض الاخر للمثقفين". ويتابع "منذ بداية الثمانينيات انتبهت الدولة الى ما حدث من قطيعة بين المثقفين وبينها في السبعينيات (ابان حكم الرئيس السابق انور السادات) فحاولت تصحيح هذا الوضع من خلال اعادة الاصدارات الثقافية وتسليم مسؤوليتها الى رؤساء تحرير يحملون رؤى فكرية مستعدة لتقبل وجهات نظر مختلفة".

   ويقول ان "الدولة لجات الى المثقفين والثقافة في محاولة لاستعادة العلاقات المصرية-العربية بعد القطيعة الناتجة عن زيارة السادات للقدس عام 1977".

ويضيف "في نفس الوقت اصبحت الدولة تقبل فكرة التعددية وتدرك اهمية دور الثقافة والمثقفين في مواجهة الاصول الفكرية للارهاب وتجاوب عدد كبير من المثقفين مع التوجه الجديد للدولة وتعاونوا مع المؤسسات الثقافية الرسمية".

ويعتقد ابو غازي "انه ليس مفترضا ان يقاطع المثقفون المؤسسات الثقافية للدولة طالما انها تسمح لهم بممارسة نشاطهم الابداعي والثقافي".

ويؤكد ان "العمل السياسي مسؤولية الاحزاب اما المثقف المبدع فهو يدعو لقيم الديموقراطية والتقدم من خلال ابداعه الذي يساهم في التكوين العام للمجتمع على مدى طويل".

التعليق