الباحثة نهاد إبراهيم تقرأ ملامح شهرزاد في الأدب المصري المعاصر

تم نشره في الأربعاء 31 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً

معتمدة على أعمال باكثير وطه حسين والحكيم

 

عمان- الغد - تسعى الباحثة نهاد إبراهيم، إلى قراءة ملامح شخصية شهرزاد في تجليات الأدب المصري الحديث، في كتابها "شهرزاد في الأدب المصري المعاصر" الذي صدر أخيراً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر.  مشيرة إلى أنها حصلت ببحثها هذا على درجة الماجستير من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، وتقول نهاد إبراهيم في مقدمتها للكتاب "الذي يقع في 315 صفحة من القطع المتوسط": تستمد "ألف ليلة وليلة" شهرتها الطاغية وخلودها كواحدة من أهم وأشهر الحكايات الشعبية في جميع أنحاء العالم بمختلف اللغات الفنية العميقة، وذلك بفضل ثراء حكاياتها، والصراع الدرامي المثير والطويل المدى بين الملك شهريار الذي يقتل كل ليلة عذراء بعد زواجه منها إثر خيانة زوجته السابقة له، وشهرزاد التي تحاول إنقاذ نفسها وبنات جنسها من براثنه، ومن عقدة الخيانة التي ترسبت بداخله وأطلقت في أعماقه شهوة الانتقام المدمر من بنات حواء.

    ولم تكتف شهرزاد بمهمة إيقاف خطر شهريار على نفسها وقريناتها، بل اختارت أن تكون مهمتها أكثر وعورة وخطورة بمحاولتها إنقاذ شهريار من تسلط نفسه وعلاجه على مدى ليالٍ طويلة بحكاياتها الممتعة.

    يجد المتلقي العادي هذه المتعة في فضاء الخيال اللامحدود، ويجدها الناقد أيضاً في دراسته لليالي التي تحتفظ بأغوار عميقة تصلح للبحث والتنقيب المستمر من جوانب متعددة، فبعد جهد طويل نجحت شهرزاد في مهمتها المركبة نجاحاً رائعاً، خلدها في ذهن القارئ وفي ذاكرة موروث الأدب الشعبي العالمي على مر الزمان .

    وتوضح الباحثة نهاد إبراهيم أن شخصية شهرزاد قد أثرت في الأدب المصري وخصوصاً المسرح، وتقول: ترك البناء الدرامي وكيفية تطور وتصاعد الصراع بين شهرزاد وشهريار بطلي الحكاية الاطار لألف ليلة وليلة أثراً بالغاً على المسرح والأدب المصري عندما استلهم العديد من المبدعين المصريين في مؤلفاتهم الصراع المثير للحكاية، كل حسب مقدرته الإبداعية، ومبرراته وأهدافه والقضايا التي تشغله .

    وقد وقع اختيار الباحثة نهاد إبراهيم على نصين مسرحيين وعمل روائي لتكون نماذج للتحليل والمقارنة مع المصدر الأصلي، وهي: مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم، ومسرحية "سر شهرزاد" لعلي أحمد باكثير، ورواية "أحلام شهرزاد" لطه حسين. وفي المسرحية الأولى تناولت وحللت مفهوم "التعادلية" وتأويلات الصراع ضد الزمن والمكان كما تجسدت في الأحداث والشخصيات.

    وفي المسرحية الثانية ألقت الأضواء التحليلية على ثنائية "السلطة/الجنس"، ومنهج علاج شهرزاد في مواجهة يمة الخيانة. أما في رواية طه حسين فقد تناولت حدود التداخل بين شخصية شهرزاد وشخصية "فاتنة"، والمنظور السياسي في استلهام الحكاية.

    اعتمدت الباحثة في دراستها النقدية للأعمال الأدبية على استخدام أدوات المنهج التحليلي، لما يتمتع به هذا المنهج من القدرة على الإلمام والغوص داخل منظور العناصر المطروحة في بناء العمل الفني، بالإضافة إلى استخدام المنهج السوسيولوجي المفسر للخلفيات الاجتماعية المؤثرة في المؤلف والعمل الفني، وهو ما يسهم في إلقاء أضواء نقدية وتحليلية وفاحصة على استلهام وتوظيف كل من هؤلاء الكتاب لصراع الحكاية الاطار لألف ليلة وليلة، مع التركيز على الرؤى المعاصرة والدلالات المنبعثة من شخصيتي شهرزاد وشهريار بأبعادهما وإيحاءاتهما الخصبة الثرية التي لا تتوقف عند حدود معينة.

    وترى الباحثة نهاد إبراهيم أنه رغم اختلاف التوجهات الفكرية وقضايا ومواهب المبدعين الثلاثة محل الدراسة "الحكيم وباكثير وطه حسين"، فإنهم قد اتفقوا جميعاً على اتخاذ شهرزاد شخصيتهم المحورية التي أربكت شهريارهم بشدة، افتتاناً بها، وتخوفاً من المناطق المجهولة بداخلها، وما أكثرها، وتقول الباحثة: هذا ما دفع أبطال الأعمال الثلاثة إلى سؤالها بإلحاح شديد: من أنت؟! وقد حاول كل منهم الإجابة عن هذا التساؤل العميق حسب رؤيته الفكرية وبنيته الدرامية المطروحة، ومرآة شهريار.

    وإذا بدأنا بالحكاية الإطار الأصلية لألف ليلة وليلة، فسنجد أن شخصية شهرزاد هي البطلة الأثيرة التي نجحت في شفاء شهريار بمنهج الحكي والقص الموظف لكسب الوقت والاستشفاء. وعند توفيق الحكيم ترمز شهرزاد إلى الطبيعة والأسرار العلوية وسر أبي الهول الخالد، حيث يعجز عقل الإنسان القاصر وحريته المحدودة عن ارتيادها. بينما تلعب شهرزاد عند باكثير دور الطبيب النفسي والمعلم السياسي، بعدما نجحت في استرداد شهريار لقدرته الجنسية، ثم التخلص من عقدة الذنب بقتله الملكة بدور البريئة ظلماً، اعتماداً على فاعلية الحكي والقص المقترنة بالضرورة بلغة العلم المتناسبة مع روح العصر.

    أما طه حسين فقد جعل شهرزاد هي المعلم والمحاضر العصري، الذي يعلم تلميذه القلق شهريار أسس العدالة والديموقراطية والحرية القائمة على استنارة التعليم وتوفر عاطفة الحب المقترنة بالرغبة .

التعليق