قلعة الحسا: محطة الراحلين عبر صحراء الجنوب

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • قلعة الحسا: محطة الراحلين عبر صحراء الجنوب

 فيصل القطامين

   الطفيلة– تقف قلعة الحسا شامخة على جانب الطريق المؤدي الى العقبة تتحدى رياح الزمن بقوة لتروي ما يتحدث به الراكبون الى العقبة والحجاز، فلطالما احتضنتهم ليختبئوا خلف جدرانها العتيدة من عاديات الطريق الموحش، لتهيأ لهم أمانا افتقدوه في مسيرهم الشاق الطويل الذي اكتنفه العطش والجوع والخوف.

   وتعد القلعة من المحطات الهامة الواقعة على طريق البر الشامي، واعتبرت محطة استراحة للتجار والمسافرين والحجيج حيث وجد فيها أماكن للنوم والطعام والراحة، الى جانب وجود مستودعات للبضاعة واصطبلات للخيول ومكان للتزود بالماء من خلال بئر يتوسطها بحسب الروائي التاريخي سليمان القوابعة في كتابه"الطفيلة تاريخها وجغرافيتها".

    وتقع قلعة الحسا الى الشمال من مدينة الطفيلة بـ(70) كم على الجانب الأيمن من الطريق الصحراوي باتجاه العقبة، والى الغرب من سكة حديد الحجاز بستة كيلومترات من بلدة الحسا البلدة الصحراوية.

    وللقلعة تاريخ إسلامي بدأ ايام المماليك، فقد شيدوا الكثير من القلاع والحصون والحاميات على الثغور، وكانت قلعة الحسا من بين العديد من تلك القلاع والحصون، وأول إشارة وردت عن هذه المحطة أو الفندق الصحراوي كانت من(ابن شاهين الظاهري) عندما تحدث عن(مكوس قوافل الشام) في القرن 15 ميلاديا وأصبح تاريخ بناء القلعة مثار اختلاف بين العديد من المؤرخين، لكن عالم الآثار النمساوي "لويس موزيل" تحدث عن القلعة في العام 1907 من خلال نقش حجري عثر عليه في داخل الخان أو المحطة ويقصد قلعة الحسا وكتب عليها:

"يا حسنة لله معبد

بناه للنقوش وشيد

سلطاننا من نسل احمد

في جنة المأوى له

دار منورة ومقعد"

 

   ويبدو أن الدولة المملوكية كانت تجبي الكثير من الأرباح جراء تقاضيها الرسوم الجمركية أو ما سمي آنذاك بالمكوس، وهي الرسوم أو الجمارك التي تؤخذ على التجارة الى جانب كونه منزلا للمسافرين والتجار وموظفي الجمارك فيها، ويستدل على ذلك من خلال نص تاريخي لابن طولون والذي ذكر فيه أن نائب دمشق كان يستقبل الحجيج الذاهبين الى مكة بالمؤن والماء ومساعدتهم من طوارئ الطريق لما كان الأعراب يشكلونه من مصدر خطورة على المسافرين، وقد ذكر أن النائب اقام بالحسا حتى وصول وفد الحجيج.

    أما في العهد العثماني فلم يتعد دورهم بالنسبة للقلعة على ترميمها وصيانتها وتزويد القلعة بالجند لحماية الحجاج من الأعراب. وفي الشمال من الفندق يوجد جسر قديم يقوم على 3 قناطر وعلى الجسر طريق معبد مرصوف بحجارة بازلتية وصوانية بعرض 12 مترا وهي قريبة الشبه بالطرق التي كان الرومان يقيمونها رغم اشتهار السلاطين المماليك بإقامة مثل هذه الطرق المرصوفة التي تشبه الطرق الرومانية.

    أما شكل قلعة الحسا فهو قريب الى الشكل المربع إذ تبلغ مساحتها

 ( 22م×23م ) بارتفاع 10 أمتار، وبالنسبة لبوابة القلعة فهي حجرية بيضاوية تدلف الى معبر تعلوه قبة نصف اسطوانية طولها أربعة امتار تنتهي ببهو الفندق ذي الشكل المربع وتتوزع حوله غرف للتخزين وغرف للسكن وقاعات وغرف النوم عدا عن أجنحة الموظفين العاملين فيها، ويوجد درج داخلي يتم الانتقال بواسطته الى الطابق الثاني من القلعة، ويتوسط المكان بئر ماء في داخله درج منحوت ينتهي الى القاع بعمق سبعة أمتار.

    أما الطابق الثاني فيتألف من مسجد بسيط صغير المساحة، ومن الجهة الشمالية هنالك شرفتان بارزتان من الحجر مزودتان بفتحات تطل على الطريق المرصوف وتراقبه، عدا عن مراقبة الوافدين من الجهة الجنوبية بالإضافة الى منافذ وفتحات للبنادق أو رماة الأسهم في العصور الأقدم، ولا يوجد للقلعة أبراج البتة مثل تلك التي تتميز بها القلاع القديمة.

إضافة إلى ذلك كله هنالك مقبرة ملحقة بالقلعة لدفن الموتى وهي خارج أسوار القلعة والمكان بشكل عام تهدمت أجزاؤه إلا بعض الواجهات، أما البوابات فبعض سقوفها مسطح والآخر مقوس وقد تعرضت القلعة للتخريب على مدى فترة زمنية بعد خروج الأتراك من المنطقة في العام 1916 وحتى الستينيات خصوصا الواجهة الشمالية منها.

    وتلحق بالقلعة بركة كبيرة بلغت ابعادها( 20*20) مترا، وبحسب مدير مكتب آثار الطفيلة رائد الربيحات فإن الدائرة قامت في العام 2003 بترميم الواجهة الشرقية منها لأنها أكثر الأجزاء تعرضا للدمار بفعل الزلازل والتخريب، وبلغ عدد مداميك الجدار 26 مدماكا وقد جرى إنجازها في وقت سابق، وتتألف الواجهة الواحدة من حجارة كبيرة مشذبة وتم استخدام الاسمنت الأبيض والأسود في إعادة ترميم الجدران وتثبيت الحجارة بطريقة لا تشوه الأثر ليحافظ على جماليته وقيمته الأثرية، الى جانب تعبئة التصدعات والتشققات الناجمة عن العوامل الطبيعية خصوصا في الواجهتين الجنوبية والغربية بمادة الملاط، إضافة الى ترميم الدرجات المؤدية للبركة، الى جانب بناء أربعة مداميك من الحجر في الجهة الشمالية للبركة.

    وأضاف الربيحات أن البركة استخدمت لتجميع الأمطار خصوصا وأن المنطقة صحراوية، فقد كانت القنوات الطبيعية تنساب نحوها عند سقوط المطر فتنساب المياه نحوها لتمتلئ بالماء وتخزن لأوقات الصيف القائض بسبب المناخ الصحراوي الذي يميز المنطقة، فتستخدم تلك المياه لسقي المواشي ولاستخدامات أخرى، وبالنسبة لمياه الشرب فقد كانت في وسط القلعة بئر ماء تتجمع فيها المياه لتشكل مصدرا للشرب الرئيسي للحجاج والوافدين الذين كانوا يجوبون مسافات في الفيافي والقفار التي تكون المياه فيها عزيزة.

التعليق