ابوبكر: الشعر الرهان الاخير في غواية هذه الحياة

تم نشره في الاثنين 22 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • ابوبكر: الشعر الرهان الاخير في غواية هذه الحياة

شاعرة اردنية ترى ان الوفاء للتراث بالتمرد عليه

 

حاورها :  زياد العناني

   لم تكتفِ الشاعرة لينا ابوبكر بالتوقف عند مرحلة "الرومنس" التي طغت على تجربتها في مجموعتها "المحارة الجريحة" فراحت تسعى نحو عوالم اخرى ظهرت في مجموعتها الجديدة "خلف اسوار القيامة" والتي  تتعالق فيها مع الكونيات والعوالم الخفية، والتفاصيل التي تحيط بهذه العوالم الوجودية والسرية في اتجاه شعري اتخذ من التأمل غاية تسربت في نطق الجملة القائمة على التساؤل والاندهاش في ما يحدث في منطقة  الخيال تحديدا.

الغد التقت الشاعر المغتربة لينا ابوبكر وكان هذا الحوار الذي تطرقت فيه الى تجربتها الشعرية ودور الشعر في حياتها اضافة الى اختلاف الشكل الكتابي بين مجموعتها الاولى ومجموعتها الثانية والرؤية التي احتكم اليها هذا الاختلاف بدءا من مرحلة "التطريب" الى مرحلة التأمل الشعري.

* دعينا نسأل عن مجموعتك الجديدة "خلف اسوار القيامة" وبماذا تتقاطع مع بداياتك في مجموعة المحارة الجريحة؟

- اذا تقاطعت اي مجموعة شعرية مع اخرى تشرذم الشاعر، لأنه  يجب ان يكون هناك التوازي بين الشعر والنظم او الاطروحة الشعرية، واذا اردت ان اكتب قصيدة اختار وعيي كما يقول "بول فاليري" ولكنني اقمع في الجانب الاخر بلحظة الكتابة نفسها؛ لأن الكتابة وعي ولا وعي، فاذا تقاطع الشاعر مع نفسه اختلف معه الشعر واصبح غريما.

* ماذا عن الشكل الكتابي المختلف بين المجموعتين؟

- الشكل الكتابي هنا موضوع اخر، لأنه بحر والبحر غواية، واذا اردت التوضيح احيانا قد نظن ان اشد انواع الانتماء للتراث هو الاتكاء عليه، ولكن هذا يعني السقوط لاننا لا نميل الا على الظلال، لماذا البحر غواية؟ كنت اظن في البداية ان الشعر او البحر يكتملان بالغناء، كنت اعتقد ان هذا هو الوفاء للشعر كمكتنز تعبيري لكن تغيرت الصورة دون التنكر للتراث، بمعنى اصبح وفائي لموروثي يعني التمرد عليه لمزيد من الثراء الادبي والكتابي في التأريخ الثقافي لنا كعرب، لأننا اذا كررنا تراثنا فانه يتكرر بعقم، وقد تكون هناك قصائد موسيقية، لكنها لا تحمل الشعر ابدا، الا ان البحر يبقى عنصر غواية جميل احيانا مع الكلمات. اذن جاء الاختلاف بسياقات المعرفة والقراءة والرحيل او الغربة ونوعية ما اتناول من تأملات واختيارات وكيفية النظرالى الامور كل هذا دعمه تجربة متعرجة لا تسير ضمن خط مستقيم يضمن لها تراتبية مملة لا تعني الا السير الى الوراء، من هنا جاء تفهم عميق الى حد ما اعمق من تجربتي الاولى وكان لمن عرفت ايضا من مثقفين سواء عن طريق القراءة او المقابلة دور كبير في اعارتي بوصلة روحية استدل بها على نفسي وعلى الكونيات بشكل عام، واذكر منهم الشاعر امجد ناصر الذي كان له الدور الكبير في اكتشاف عورات الزمن العقيم بربابة وجدانية تنشد الحياة بطرائق ثائرة لا تتلقى او تتلقن، بل تصفع لكي تربي الروح برشاقة ومن هنا لا انساه لأنه كان وما يزال صديقا رائعا اضافة الى ما قدمه لي الشاعر والناقد عبدالله رضوان من دعم وتوجيهات اثرت تجربتي الشعرية.

* بعد مرحلة التطريب الاولى اتجهت الان الى افاق وجودية جديدة، كيف اختلفت رؤيتك الشعرية؟

- الحرية، ومعايشتها كطقس كتابي وحياتي كان له الدور الكبير في تلك الانتقالة، ثمة محيط لا يضع شروطا مسبقة للكتابة ولا يقمع الكيان او الذات، اذ لا بد للكتابة ان تتحرر من اصفاد واهمة مستبدة، واذا اردت ان اكون اشد تخصيصا فأنا اعني هنا شريك الروح زوجي مازن الذي آمن بان العقل والتأمل مساحة متاحة للشعر لا يمكن ان توصد بمرجعية فكرية او ذهنية، ولانني اؤمن ان الشعر اول الحياة بل يأتي قبلها ليكون سيد الفنون جميعها فانه الرهان الاخير في غواية هذه الحياة لذلك تغيرت الرؤية.

* الم يكن للمكان او الاغتراب في تجربتك هذه اكبر الاثر في التغير والتجديد؟

- حرية المكان لا شك بان لها دور، اختلاف مصادر الكتب اختلاف البشر، تعدد الآراء، الامسيات الشعرية التي شاركت فيها تعاوني مع الجاليات العربية في لندن قراءة الشعر امام الانجليز وشرائح المختلفة، فالعالم بين يديك في هذه المدينة، لا شك ان لمدينة لندن اثرها في اخراج البصيرة من قمقمها حتى لا تكون زرقاء يمامة عمياء، انا لا اعتبر انني حللت في لندن، لانها هي التي حلت في واكتشفتني قبل ان اكتشفها.

* ثمة قصائد في مجموعتك الاخيرة تصر على وجوب ان يتحول الشعر الى بعد انساني ألم يكن من قبل ضمن دائرة هذا البعد قديما وحديثا؟

- اولا هذا يعود الى الشاعر ودوره مثلا في الرواية يرسم لك الراوي خارطة الامكنة والمساحات الزمنية ويختار لك الشخوص وانت تتبع طرقات، بينما الشاعر لا يرسم خارطة، بل يشرع امامك القضاء الشاسع، عليك انت ان ترسم خارطتك ضمن معطيات القصيدة، ولك ان ترسمها كما تشاء، فالقصيدة تتجذر بثراء تأويلاتها اذن الامر يعود للشاعر كيف يكتب وكيف يشرع هذا الفضاء ثم الصحافة والاعلام والمجتمع الذي يجب ان يؤمن بان الشعر "يوغا" تأملية تضفي رشاقة على الروح والذهن والعقل.

* برأيك لماذا يجب ان يؤمن الناس بالشعر؟

- ما هو اول فن سينمائي في التاريخ ،اول فن كان عملا اغريقيا اذن السينما كانت ابتكار شاعر ضرير صور بعدسة عمياء، كيف لا يجب ان يكون الشعر حاضرا وهو سيد الفنون واولها ارتقاء بالذاكرة هل معقول ان يتنحى؟ يجب ان يعود ولا يغيب قصدا لمصلحة الانحطاط بالذائقة والصور المبتذلة التي يتم فرضها فتلغي جمالية الصورة الشعرية وجاذبيتها واقصد بالصورة ما يدعى الان فنا، لقد اصبح الشعر عدوا لدودا لاولئك الذين يسعون لتخدير المجتمعات وتجميد دورها.

* ما هو الشعر في حياتك كامرأة؟

- انا في الشعر اعثر على ذكورتي واصر عليها ليس تنكرا لي كأنثى بل لمزيد من الاعتزاز بأنوثة شامخة ليست متقوقعة في ذاتها، وانا لا اعمم على الادب النسائي فهناك  نماذج مشرقة في الادب النسائي ولكن ما اقصده هنا ان المرأة جزء فعال في الادب تستطع ان تخترق وتبتكر وتثور وتكفر بالحياة من اجل الحياة رغم انني اؤمن بان التمرد صفة انثوية وليست ذكورية، ولكن ما عنيت بالذكورة هو فروسية الشعر حتى في الغزل وانت ضدك لا انت او لا انا يعني انك تكتب الشعر للاخر ولا تحصر ضمن قضبان موحشة على الاقل هنا يأتي دور الشاعر الحقيقي في استدراج وغواية القارئ بالعودة اليه للعثور على آخره

التعليق