"نقوط العرس":ابتكار أشكال جديدة تضمن دوام التكافل

تم نشره في الاثنين 22 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • "نقوط العرس":ابتكار أشكال جديدة تضمن دوام التكافل

 جمانة مصطفى

   عمان - يأتي مشروع الزواج، وتأتي معه تكاليفه الضخمة التي تبدأ من فنجان القهوة في الجاهة، وحتى العودة من شهر العسل، مرورا بالعديد من التفصيلات الصغيرة والكبيرة، كمصاريف الحفل والجهاز والأثاث، إلا أن هناك متنفسا صغيرا قد يمد العروسين ببعض المساعدة في تجاوز الصعوبات المالية التي يتعرضان إليها في بداية مشوارهما الحياتي، ألا وهو عادة "النقوط" المصاحبة للعرس والتي تسد على بساطتها بعض الثغرات المالية هنا وهناك.

    وللنقوط أشكال عديدة تمارس من خلالها، ولعل أكثرها شيوعا هو تقديم النقود أو المصاغ الذهبي للعروس أثناء حفل العرس، وتتحدث مدرسة المرحلة الابتدائية(مريم خلف 23عاما) عما حدث في حفل زفافها، حيث تقول:"معظم النقوط الذي حصلت عليه كان مصاغا ذهبيا من عائلتي ومن اخوان زوجي ممن قاموا بتلبيسي في العرس بحيث يرى المدعوون قيمتي لدى أهلي وأهل زوجي".

     وحول طقس تلبيس الذهب للعروس تقول:"لا بد منه، حاولت اقناع أهلي وأهله بعدم ضرورة التلبيسة بشكلها التقليدي وأن يقتصر الأمر على إعطائي الهدية أمام المدعوين، بل حتى وعرضها أمام الكاميرا، لكنني جوبهت بالرفض الشديد وأذكر أن أمي أخبرتني أن عرسي سيكون بلا هيبة إن هم فعلوا ذلك"، وتكمل ضاحكة:"بصراحة، كل ما كنت أفكر فيه آنذاك هو أن المصوغات الذهبية ستفسد شكل فستان العرس والتناسق الذي سعيت إلى إيجاده في ليلتي تلك، ولكن بعد حفل الزفاف تستوعب العروس أن الكثير من الأمور التي تعطيها أهمية كبيرة ليست كذلك مقابل الفرحة والفخر في عيون الأهل".

      وحول المبلغ الذي حصلت عليه تقول"الذهب يقدر بـ500 دينار، بينما النقود لم تتجاوز الـ400، ناهيك عن هدايا المنزل التي تعتبر نقوطا متأخرا".  إلا أن المفاجئ أن مريم ومعظم صديقاتها من المتزوجات وغير المتزوجات يعتقدن أن النقوط هو هدية خالصة للعروس، وليس للعريس أي نصيب فيه، فتقول"بالطبع لم أعط زوجي أيا من هذه النقود وهو بدوره لم يبادر إلى طلبه مني، فمن البديهي أن النقوط يوضع في يد العروس لأنه هدية عرسها".

      وعلى عكسها يعتقد العروسان ريم ومهند العرموطي اللذان تزوجا في أيار الماضي وقاما باستغلال مبلغ النقوط في رحلة شهر العسل، تقول خلود: "لا أعتقد أن من العدالة أن تحتفظ العروس لنفسها بمبلغ النقوط خصوصا وأن الزوج يكون "شبه مفلس" نتيجة مصاريف العرس الكبيرة".

ويتحدث الزوج مهند قائلا: "بالطبع لم أكن لأسألها لكن ريم اقترحت قبيل الزفاف أن نستخدم مبلغ النقوط في رحلة شهر عسل إذا حصلنا على ما يكفي لها، وبالفعل تأتى لنا مبلغ 600 دينار إضافة إلى 100 دولار أخرى، ما مكننا من الذهاب إلى شرم الشيخ لأسبوع والعودة دون أن نستهلك جميع المبلغ، أما النقوط من المصاغ الذهبي فهو بالتأكيد هدية خاصة بها ولم أكن لأقبل أن أشاركها بثمنه بأي شكل".

    وهناك أنواع أخرى من النقوط التي أفرزتها طبيعة الحياة المتغيرة، كالمبالغ التي يجمعها الزملاء في العمل لمن يقبل منهم على الزواج بحيث تشكل في محصلتها دعما ماديا ولو بسيطا إلا أنه وبالضرورة يحمل فكرة النقوط والمباركة بهذا الزواج بشكل عملي.

     وفي تدخل جيل الشباب في تطوير العادات بما يخدم مصلحته تقول ريم:" حين تزوجت أختي الكبرى قامت أمي بدعوة النساء والفتيات إلى حفلة مباركة عقب العرس بأسبوعين، حيث جلبت كل من النساء ممن لم ينقطن أختي هديتها معها، وأذكر أن أمي طلبت من أختي أن تتذكر جيدا هدية كل من القريبات والجارات والمعارف حتى نتمكن من ردها في أية مناسبة سعيدة".

     إلا أن ريم الموظفة في احدى شركات تقنيات المعلومات اتبعت أسلوبا مختلفا وعصريا إلى حد كبير، تقول:"الجميع سيقومون بتنقيط العريسين عاجلا أم آجلا، والكثير من هدايا العرس التي تصل إلى المنزل الجديد تكون إما مغايرة لذوق العروس أو أنها في غير حاجة إليها، ما دفعني إلى تقليد احدى زميلاتي في العمل ممن قلدت هي بدورها ما رأته في احدى الأفلام الأميركية وهو ما يسمى بالـ wedding list أي قائمة الزفاف".

      وقائمة الزفاف تلك هي قائمة بكل ما يحتاجه العروسان الجديدان من أدوات منزلية ومكملات لأثاث المنزل وكهربائيات خفيفة، ويتم وضعها في احدى المحلات الكبرى بالاتفاق مع صاحب المحل الذي يكون على علم بالموضوع، تقول ريم:"قبيل العرس بشهر أخبرت كل صديقاتي وأخبر زوجي بدوره أصدقاءه وزملاءنا في العمل عن اسم محلين في الجاردنز، حيث وضعنا قائمة بهدايا تتراوح من 3 دنانير إلى 100 دينار كل بحسب ميزانيته والمبلغ الذي رصده للهدية، وبالفعل استطعنا توفير مبالغ من مستلزمات المنزل ورفعنا الإحراج عمن يرغب بتنقيطنا، ومن ناحية أخرى لم نحصل على هدايا لا نرغب بها، باستثناء هدايا الأقرباء ممن وجدنا نحن شخصيا حرجا في أن نخبرهم عن قائمة الزواج".

     وفي زيارة لعدد من أصحاب محلات الأدوات المنزلية في منطقة خلدا أخبر عدد من أصحاب المحلات بأن قائمة الزواج غير منتشرة كثيرا في المجتمع الأردني، وعدد قليل منهم مرت عليه لمرات قليلة منذ سنوات قليلة، إلا أن ما يشترى هو بالكاد نصف القائمة، ويتحدث غنام الكردي، فيقول: "يأتي الصديق ويسأل عن قائمة فلان وفلانة ثم يختار منها المبلغ الذي يناسبه ويدفعه ليلف الهدية ويخرج".

      ويتابع "لا تجد القوائم تجاوبا كبيرا خصوصا من السيدات الكبار في العمر، إلا أنني أعتقد أنها فكرة اقتصادية توفر على العروسين الكثير، ومن جهة أخرى كثيرا ما تقوم صديقات العروس بالاشتراك معا لتنقيطها بهدية غالية الثمن من القائمة بدلا من أن تشتري كل منهم هدية بسعر قليل".

     من جهته يشير أستاذ علم الاجتماع محمد السيد أن النقوط بجميع أشكاله الحالية هو تطور طبيعي للتعاون التلقائي الذي كان يجمع الناس في أوقات معينة من السنة، كمناسبات الحصاد والزفاف، ويقول "في المدن مثلا حيث كانت تسود إلى جانب أهمية العائلة أهمية الجيران في الحارة الواحدة كانت الجارات يتساعدن في تجهيز العروس ويخطن لها أثوابا جديدة بعد أن تزودهن الأم بالقماش".

    ويتابع "وفي الكثير من مدن بلاد الشام كان جهاز غرفة نوم العروس من ملاءات وشراشف ووسائد هو مسؤولية الأم، وهو أيضا ما نجده في بعض القرى ولدى بعض البدو".

     وحول الأشكال الجديدة للنقوط يقول السيد"لا أجد ضيرا في الأساليب الجديدة كقائمة الزواج، خصوصا مع الصعوبات المادية المرافقة لعناء الخوض في تكاليف الزواج، فالزواج هو المشروع الذي لم يتنازل المجتمع عن ميزات الفتاة المادية فيه على الرغم من تغير شكل الاقتصاد وانتقال الفتاة من كونها مهيأة لتصبح ربة منزل فقط لتكون امرأة عاملة كذلك".

التعليق